adab-insan   أدب الإنسان

نبقوسيا 1/4/2006

إذا رأيت نيوب الليث بارزة ،

فلا تظنن أن الليث يبتسم !

الصرخة ! 

ريقي كالعلقم ، لاشك أنني أخشى الموت ، لكنني ، رغم جسارتي ، أخشى الحياة أكثر !

مضت ستة عقود من عمري ، ولا أظن أن الباقي مهما طال ، طويل ! . ..

 تنبت الأرض وروداً وشجراً ولكنها تنبت أيضاً الكثير من الأشواك ، وكثيراً ، ودون أن ندري ، لانميز الشجرة الوارفة من شجرة عوسج  ، فكلاهما يظهر على البعد متشابهاً ..

 إن كنا نأتي ونذهب منسيين من قبل ومن بعد ، وإن كنا نعيش الكثير من الأوجاع والقليل من الأفراح ، ولا أحد يأبه لما في دخائلنا .. وإن كنا نرى السعادة ضمن أحاسيسنا ، وليس ضمن رغبات الآخرين ، فإن علينا أن نصرخ  ، وإن علينا أن نقول الكلمة في وقتها وقبل فوات الأوان ..

 حبيبتي يافرط الرمان ، حبيبتي يازهراً يتألق في نيسان .. حبيبتي ياقلب الإيمان ..
حبيبتي ياخوف الإنسان ! ..

حبيبتي ، وهي آمال الحياة ، لم تأت ولم أشهدها ولم أضمها ، إنها على البعد أشممتني ريحها ، وأسمعتني عزفها ، لكنها لم تبت بين جوانحي ... آمال الحياة جاءت في الريح .. ومازلت أبحث عنها في قلبي وفي الناس ، ولقد لاحت لي في وجوه أولادي .. إنهم امتدادي من جدودي لأحفادي .. وأنا أقول لكم إن الحياة مهما طالت فإنكم ستذكرون يوماً ما أنني كنت هنا .. كما أنكم لن تنسوا أبداً صرختي هذه لكم ! ..

قبل خمسة وعشرين عاماً ، وفي يوم نيساني مشرق كهذا ، اصطحبت الأسرة باحثاً عن جمال في الطبيعة في حقل كان قد اشتراه أحد المعارف ، ويبعد حوالي عشرين كيلومتراً جنوب نيقوسيا . ذهبنا إلى هناك لأن في الحقل شجر وعلى الأرض عشب ، ولأن الهواء عليل ولأن هناك مساحة لعب لأطفالي . كانت ترافقنا  أسرة أخرى عندها أربعة أطفال مثلي . عندما وصلنا جرى الصغار يلعبون .. لكنه رغم بهجة المكان كنت وجلاً من أمر مجهول ، فانطلقت أبحث عن أية مخاطر مخفية قد لاينتبه لها الصغار .. المكان ساحر وبالغ الجمال ، غير أن الأشياء الجميلة كثيراً ماتخفي تحتها مخاطر جمة !. وكالعادة أخذ الحديث الغث النسوة ، وكالعادة أخذ اللعب عقول الصغار ..

أحدثكم أولادي وأقص عليكم ، وأنا فوق الستين ، أكتب لكم أولادي عن يوم من أيام العمر مضى كالسكين ! ..  أشهره الدهر عليكم وعلى عنقي ، وجعلني أومن أن الله موجود في علين .. وهو موجود فوق القلب الذي يخشع ثم يجهش في البكاء إلى يوم الدين ..

 أحدثكم أولادي وأقص عليكم ..

عن ذاك اليوم ، ومن بين الشجر المترامي فوق بطاح الأرض ، ترتفع كومة أحجار مهترئة شدتني ، فقد تكون مكمن خطر للأولاد ، وأنا أنادي عليهم واحداً تلو آخر ، وأشق أحاديث النسوة ، أنادي أطفالي وأطفال الرفقة بالأسماء لأتأكد أن الصغار في مأمن .. صوتي في الجو نشاز لكنه مؤطر بالخوف وبالآمال..

اقتربت من كومة الحجر فتبينت أنها بيت مهجور لمضخة بئر صدئة ، عندها سمعت  صراخاً من إبني .. هرعت لأرى أصابعه عالقة بين مسننات المضخة ذات التوجه الأحادي.. وأية حركة قد تبتلع يده وربما جسده بالكامل .. هلعت لهول المشهد  ولم أدر كيف يكون الحل إن كان هناك حل .. كان موتي أهون .. كان أن ينفجر العالم أهون .. كان أن تقوم القيامة أرحم .. ولربما في وقت الشدة يسهل قطع المبضع وقص المشرط ..

الرحمة يارب ، والفناء أمان .. وكل مافي الحياة جنون .. الرحمة يارب .. واستجاب الرب  فقد أفلح الصغير في الإفلات من المسننات .. وكان ماجرى ضمن ثوان معدودات وكان صراخي مخنوقاً لم تسمعه النسوة البعيدات ..

مشيت ممسكاً يد ابني التي خرجت برضّ بسيط في أصابعها الرقيقة كزنود النبات .. وأنا ذاهل في عالم مجهول .. في كابوس فوق كل احتمال .. ثم اتجهت باتجاه السيارة هارباً من مكان أحسست به مكمناً للشيطان .. وإذ بي أشاهد طفلي الأصغر يجري خلف طفلة الأسرة الأخرى منادياً إياها باسمها الذي تعلمه هذا اليوم .. وبينهما بئر قديم مهجور مفتت الحواف فاتح فاه بقطر أربعة أمتار ذو قاع عميقة مليئة بالأوحال ..

كان ابني يجري باتجاه البنت التي لم يكن يرى سواها ، وكان لابد أن يسقط في البئر خلال ثانية لا أكثر ، وكنت بعيداً ممسكاً بيد ابني الذي علقت يده بالمسننات ..

وكانت صرختي .. كانت صرختي التي عصفت بالأرض والشجر والحجارة ، كانت صرختي كل الزلزال الذي في كياني يعصف بالعالم ، لقد تحولت إلى عاصفة وإلى إعصار ،   كانت صرختي كل الرجاء وكل الحياة ، فدوت حتى قبة السماء واجتاحت كل الأقمار .. ووصلت صرختي لعند الله .. فتوقف طفلي وتسمر في المكان على بعد شبر واحد من بئر الشيطان .. طلبت من طفلي أن لايتحرك أبداً حتى أصل إليه  ، فاستجاب ..

.. عندما أصبح طفلاي في يدي الاثنتين نظرت هلعاً إلى جوف البئر ثم نظرت إلى السماء ..

.. وبكيت يأولادي حتى ذبت في البكاء .. وعاهدت نفسي أن أبقي يدي في أيديكم إلى أن تصلوا إلى بر الأمان..

ليست ياأبنائي كل الأشجار وارفة الظلال حتى لو بانت كذلك ! .. فيها العوسج وفيها السام ،  وفيها مايخبئ أفعى أو ثعبان .. إنها الأرض وما عليها .. إتها الحياة فيها الكثير من الألوان .. وكثير من الألوان لاترونها لأنها في المساحات المعمية !!

.. احذروا الشيطان الذي يلبس ثوب إنسان ..

ولقد قلت في كتاباتي مرة .. وبعد أن استعرضت الظلم العائم فوق المكان وفوق الزمان ، وبعد أن رأيت حجم المصائب  تحت مسميات منوعة كثيرة ، مبتدعة في أساليبها وغاياتها ، .. لقد قلت في كتاباتي .. وربما في نطاق الأمنيات ، وربما في حقيقة المتاهات .. قلت إن الله منحني القدرة على رؤية دخائل الآخرين .. فوجدت ..

....  فوجدت ياأولادي أن معظم أدمغة الناس هي أدمغة ثعالب ..

  وأن معظم قلوب الناس هي قلوب ذئاب ...

 ♥♥♥

email..راسلنا  adab-insan   أدب الإنسان

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

مدخل إلى بعض قصصالتل الموجودة في هذا الموقع..