عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan         أدب الإنسان 

                   النسر   

    نيقوسيا 14/11/2003

                                                                     ( على العالم أن يقف ،

                                                                         فقصة الوقائع تختلف .. )

 

   يطير النسر حائماً في الفضاء الفسيح .. محلقاً فوق الريح ، بجناحين  متسعين كالغيمة ، تخشاه ضغاف الحيوانات وهو لا يحب سوى أكل الجيفة !..

في يوم ما منذ قليل السنوات حدثت أسطورة ، وفي العادة أن الأسطورة لا تحدث ، بل يُظن أنها حدثت منذ الزمن الغابر،  لكنها في هذا الزمن الأحبل بالمعجزات تحدث أساطير سبقت كل كوابيس الحكايات المنسية ..

في يوم ما ، بل في يوم ممتد من غير نهاية ، تبدأ فيه الأنفاس ثم تُلفظ فيه الأنفاس ، تحدث فيه أساطير تسبق أساطير المخترعات، وتبقى حيَةً رغم المخترعات .. ورغم الأدوية ، ورغم كل النظريات ..

أكتب الرسالة بالقلم ، وقد نسيت كل تاريخ الحضارة والأعلام ، وقد نسيت كل المنجزات والأوهام ، وتعلمت في القلب قصة نسر لا يبحث عن الحضارة والأعلام  ولا عن المنجزات والأوهام ، بل يبحث في الأرض العطشى عن جيفة ، فهو لايقتات أبداً من أوهام..

***

بين أكوام القش اليابسة ، وعند جذوع الأشجار العطشى الأيبس، وفي حر الهجير يجتاح قباب الطين، تسكن هياكل بشرية داكنة .. تروح ببطء ، تجيئ ببطء  ..  تحارب آخر المعارك .. فهي لم يبق لها لحم تقتات به ، ولا حَبٌ ولا بذرٌ ولا ورق أخضر ولا لحاء شجر ..  وآخر العارك عندهم هي معركة الديدان ..

إنهم على الحد الفاصل ، فإما أن يأكلوا بعض الدود والحشرات، وإما أن تأكلهم الديدان والحشرات ..

وأنا مازلت أتحدث عن الآن .. في الألف الثالث للميلاد ..

عندهم مراسلون يروون القصص ، يشاهدون آثار المجاعات .. والجهالات والظلمات ، والعيون الداكنة الغارقة ، والعظام الغائرة الضاوية المحنيّة  .. هناك يبحث المراسل عن مجدٍ وغنى بين أجساد العفن البشري .. وهنا على الوسائد و الأسرة يشاهد البشر في الفضائيات ، ويتحسرون ، ويسخرون ويلومون ثم ينسون ، وقد غرقوا في الأسرة مثنى مثنى ..

وتبقى أكوام القش اليابسة بعيدةً بضع ساعات  ..

بصمت مطلق أرسل لي أحدهم صورة  على شاشة الكمبيوتر ..

رأيت الصورة .. فركت عيني ورأيت الصورة ..

ثم فركت عيني ثانية لأثبتها وسط الصورة ..

قالت كلمات: " هذه الصورة هزت العالم ! "

 أنا ماهزتني .. ولا أحزنتني .. ولا أبكتني .. ولا أيقظت وجداني ولا حيرتني ولا غيرتني.. إنها فقط جزتني نصفين !..

ينادي الجزء الأول للثاني ، وينادي الجزء الثاني للأول .. فلا يسمع هذا أو ذاك .. وكل منهما ينظر كيف سيتحول إلى أجزاء والأجزاء تتحول إلى أجزاء ، وهكذا يتحول جسدي إلى قنابل عنقودية ..  تنفجر إلى مالانهاية ولا يسمع أحد بها ..

فالناس مشغولة بالبلع والتفريغ ..  ..

***

 لاأريد كثيراًمن دنيا تلمع فيها الأضواء في بعض الأنحاء ، ويبقى الجوع والظلم في باقي الأنحاء مطوياً منسياً في الظلمات..

لا أفهم كيف يموت البشر فقراً ومرضاً وجهلاً وصراعات وهم لا يفهمون ماذا يجري .. تماماً كلأنعام .. أو كالذباب ..

ولذا ، فما أردت منهم إلا أمراً صغيراً لو فعلوه ، لمررت على بلاد العلقم ثم نسيت  ..

لو كتبوا على قبر ، أي قبر، في أرض ، أي أرض ،  بلغة ما  أية لغة .. عبارة تقول :

-         هنا ترقد الإنسانية !..

***

قالوا:  النسرشامخ ..

قلت:  إنه يحب الجيفة ..

قالوا:  النسر يحلق في الفضاء ..

قلت:  إنه يقتل على الأرض ..

قالوا:  إنه رمز السمو ..

قلت:  إنه يحب النتف في الأحشاء ..

***

وقفت أمزق أوراقي ..

عن ماذا أكتب؟ .. عن المجد الذي يمكن اختصاره في كلمات وأبيات شعر ونفاق ؟! ..

أم أكتب عن الظلم ، الذي ، لو كان البحر مداداً لما أكفى البحرُ مداداً للكلمات ؟!..

وقفت أمزق أوراقي قبل أن تمزقها المخالب ..

***

لكن ربما مثلي هناك من يقرأ .. ربما استجاب صعلوك وفي غفلة زمن أورب ، كتب على قبر مدروس منسي :

-         هنا ترقد الإنسانية  ..

ربما ، يتحدث طفل أو طفلة عن أسطورة كانت حلماً اسمها إنسان اسمه مشتق من شيئ منسي ، من مصدر لغوي هو الإنسانية ..

ربما ..

ومن أجل ربما هذه ..

كتبت وأعدت رسم الصورة ..

والصورة تحكي أن طفلاً أفريقياً سودانياً عربياً كان في الثانية عشرة يزحف بين الكدر اليابس والشوك الصلب وتحت هجير الرمضاء ، أعجف الهيكل ، أيبست القذارة حركة عينيه وأمعاءه ، يزحف إلى اللامعنى ، عله يجد ما يشربه أو يأكله حتى لو كان بقايا الحيوان أو الصبار ..

هنا تقف الصورة في الحلق ..

وفي محاولة للبلع ، تشاهد خلفه على بعد ثلاثة أمتار نسراً ينتظر بلهفة ..  فالطفل الزاحف من بطن أمه حتى الكدر والشوك في الألفية الثالثة هو مشروع جيفة .. والنسر جائع .. والأرض جوعى والسماء جوعى والشوك جائع !..

ويبقى الطفل مشروع جيفة يحاول الحركة ولم ييأس ،  ويبقى النسر خلفه منتظراً ولم ييأس  ..

ويبقى العالم يرى الصورة لكنه لم يقف عندها ، فالذي رأى الصورة على صفحة مجلة ، قلب الصفحة بعدها ..

والذي سمع الخبر سمع بعده أغنية داعرة ..

والذي سمع الخبر من صديق، بحث بعد ذلك عن همس صديقة ..

أنا لم أسمع بالمراسل الذي التقط الصورة ولا أعرفه ولا أريد أن أعرفه  .. فهو أحمق مثلي .. ظل يفكر فيما رأى .. ظل المشهد يحكمه ويسيطر على مشاعره وأفكاره ورؤاه  ..

إلى أن ..

إلى أن قالوا إن لا أحد يدري ماذا حصل للطفل ، وماذا حصل للنسر .. لكنهم يقولون إن المراسل وُجِد منتحراً بعد ثلاثة أشهر مما صوّر ومما رأى ومما ملك عليه نفسه وخياله وإنسانه ..

وبقي أن يكتبوا على قبره :

-         هنا ترقد الإنسانية !..

 

*******

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm