|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
"عندما تسيطر الرغبات في
ظواهر الأشياء..
تنام قيم الإنسان"
نيقوسيا 13/10/1998
الْمُغَرِّبون
عصر يوم ربيعي لبينا دعوة صديق قديم درس العلم في ألمانيا وأخيه الذي عمل سنواتٍ طويلة في أرض السعودية، قضينا الساعات عند نُزْلٍ شرقي تحتضنه الأشجار التزينية وتقترب منه نوافير تنبثق فيها خيوط الماء. كنا في قلب غوطة دمشق..
كان الفراق طويلاً بطول المسافات بين القارات، وبعيداً بعد أحضان السعادة. نحن الآن نلبس قبعة من الشيب، أو لا نلبس قبعةً على الإطلاق.. نحن مجموعة رجالٍ هي بقايا الذكريات..
أظهرت رغبتي لصديقي القديم بالاستلقاء على التراب وتوسد حواجزه والتطلع إلى السماء من خلال أوراق الشجر..
لم يدرِ صديقي أن رغبتي تلك كانت من أجل أن أبكي!..
* * *
الرجال لا يبكون!، ولكنني كنت في رحلةٍ طويلة بينما كان جسدي هلامياً ملقى على تراب الغوطة وتحت الشجر عصر ذلك اليوم، وكان الجو رائعاً، وكنت أشم رائحة الجنة، وأذوق طعمها من خلال ملوحة الدمع السيّال..
الرجال لايبكون، ولكنهم يحزنون، وحزنهم يبقى منحبساً تحت الجلد، بين العظام، في الرئة والقلب والكبد والمرارة.. وعندما يعلمون أن في داخلهم ذلك الجبل الهائل من الحزن، وعندما يقرون بهذا الحزن الذي سكن داخلهم العمر كله، عندها يبكون.. وأنا بكيت.. بينما كان شيب رأسي ينغرس شعرةً شعرةً في حبات التراب حبةً حبة!..
- اتركوه نائماً.. لا تزعجوه، فقد سهر طويلاً ليلة البارحة، وأصدقاؤه لم يتركوه حتى ساعات الفجر!..
ارتحت لرغبة صديقي وأخيه في أن يتركوني في رقدتي .. وقلت في نفسي إن هذه فرصتي لأبكي بهدوء ولأعيد أمامي شريط عمري منذ البداية!..
* * *
كنت الأول في دراستي الابتدائية والإعدادية والثانوية، وكانت أمي تفخر بذلك وكأن أبي يقضي معظم أيامه إما في السعودية أو في ليبيا أو في الأردن أو لبنان بحثاً عن اللقمة من أجلي وإخوتي، بحثاً عنها ضمن الحجارة الصلدة ينقرها برأس كتلته الحديدية الثقيلة فقد كان أبي نحاتاً، يطرق الحجارة للآخرين، والسيجارة في فمه، من أجل لقيمات أبنائه!.. وكان في ذهن أبى أنه لن تتاح له الفرصة كي تتوقف يداه عن الطرق في يومٍ من الأيام، فهو يعلم أن الفرصة معدومة لديه ليصبح غنياً.. أمله كان في أبنائه، وسعادته كانت فيهم أيضاً.. وكانت متعته الوحيدة في هذه الدنيا هي في زرعهم وإنجابهم!..
وأنا، وإخوتي، اكتسبنا عادات كثيرة من خلال أمي التي كانت توقظنا باكراً كل يوم، فهي لا تستطيع النوم وقد (شقشق) الفجر كما تقول، وهذا أمرٌ يعود إلى طفولتها حيث اعتادت على الاستيقاظ مع الدنيا، فهي ابنة الحقل، اعتدنا الاستيقاظ المبكر، كما اعتدنا التوجس والتهيب من الحياة والآخرين.. فكل حجر يكمن خلفه غدر، وكل طريق تلفه أفعى في النهاية، وكل شخص يحمل في قلبه حقداً.. وكل ليلٍ يحمل سكيناً يدور بها على الناس..
واكتسبنا من أمي الدافع القوي من أجل الدراسة والعمل، وكان ذلك سبب من أسباب غيرة الآخرين حولنا..
وأهم ما اكتسبناه من حليب أمنا كان الوضوح والصراحة و الصدق وحب الأرض والشجر..
سِلَعُ أمي هذه كان مشتروها قلة، ولكنها كانت هي السلع الأفضل بين سلع أفراد العائلة رغم أنها لا تشتري سيارة أو ثوباً، أو طعام..
* * *
تركني أصدقائي مستلقياً على التراب وشيبي منغرسٌ فيه، وعادوا إلى حيث جلستهم الجميلة.. وعدت أنا إلى الأيام الأولى حيث نجحت في الثانوية العامة، ورافقت أمي باكراً إلى الحقل ومعنا الشاة وابنها، من أجل أن أصارحها برغبتي لإتمام دراستي في أوروبا.. يومها ثارت أمي واختصرت رعيها للشاة وعادت إلى البيت لتوبخني.. ولكني أصريت رغبةً في العالم الجديد، ورغبةً في أشياء أخرى..
قلت لأمي:
- أريد أن أتم دراستي هناك لأعود طبيباً بشهادة متميزة..
- عندنا في جامعة بلدنا كل شيء..
- لكنني أريد الشهادة من أوروبا، فالناس يقبلون على الطبيب القادم من هناك ويدفعون له أكثر..
وكان حوار الطرشان بيننا..
كادت أمي تقنعني وقتها بالاستمرار في دراستي لولا أن صدر فتاة أوروبية، وساقاها، وخلفها آلاف البنات العرايا برزت في مخيلتي وقتها فاستثارت رغبتي الخبيئة، فأجبت أمي بإصرار:
- ولكنني سأذهب في كل الأحوال.. الدراسة هناك أفضل..
وبعد أيام،
كنت قد جمعت أوراقي وجواز سفري وآمالي، ورغبات ذكورتي، وتأبطت ساعد صديق آخر واتجهت به إلى المطار..
* * *
في مكانٍ ما في أوروبا، هناك، لم أجد البنات يكتبن لي في صفحات وجوههن وفي رمشات عيونهن أو حتى في مشية سيقانهن سطور الرغبة الشابة.. ولم أجد أنهن أكثر جمالاً من بنات بلدي، لكنني وجدتهن أكثر عرياً، وأكثر تلوناً بألوان البيرة والخنزير..
لا شيء يهم.. أنا قد جئت من أجل الدراسة والشهادة!..
كنت في بلدتي أكتفي بالذهاب إلى الثانوية، وتكتفي أمي بإعطائي نصف ليرة في اليوم، أو ربما بلا قرش واحد، فليست هناك حاجة ماسة للشراء أحياناً من بوفيه المدرسة، لكنني هنا بحاجة إلى مائة ليرة في كل يوم!.. وتذكرت شاة أمي التي لا يكفي ثمنها ليوم أو يومين أو ثلاثة!.. هناك كل الأمور تقاس بالمال، حتى القبلة!..
هنا زحمة تزحم الأنفاس والقلوب، بينما جبال القلمون وبلودان وأشجار الغوطة تفرج الأنفاس والقلوب.. أبناء بلادي بيض وسمر لا يبتسمون إلا من قلوبهم.. وهنا شقرٌ موردون لا يبتسمون إلا من خارج قلوبهم.. لكنني قلت لنفسي:
- لا شيء يهم!.. الشهادة أولاً وأخيراً..
أحسست بغربة الوحدة، وسط ملايين البشر كنت وحيداً، ووسط الابتسامات كنت وحيداً.. وسط السيارات والجرائد والكلاب كنت وحيداً، حتى في غرفتي البائسة، كنت وحيداً عارياً أمام نفسي!.. ففكرت في العودة.. لكن فرصة العودة قد فاتت، فقررت مجدداً أن أبقى، ثم تملكني التردد.. ثم فكرت في أمرٍ آخر!..
* * *
قلت لنفسي: سأكون ذكياً!.. لا بأس في أن يعيد الإنسان حساباته، وأنا الآن مازلت دون العشرين، ولكنني بحكمة الأربعين وقادر على اتخاذ قرار، أي قرار..
أريد أن أحسب الأمور بشكل آخر، العودة؟.. البقاء؟.. السفر إلى مكان آخر؟..
اتخذت قراري أخيراً مقلداً الخبراء، واضعاً الحيثيات أمامي فقلت:
-.. وحيث أن المعيار المادي هو الأساس في كل مجتمعات هذا العصر، وحيث أن الحياة الأفضل هي من خلال القدرات المادية، وحيث أن السيد (فالح) محترم بسبب ماله، ويقوم له الآخرون رغم حمقه وجهله، ويضحكون لنكاته رغم سخافتها، ويطيعونه رغم بؤس آرائه..
وحيث أن الوظيفة، والعمل الحرفي، وحتى عيادة الطبيب ومكتب المهندس لا تأتي كلها بالمال..
وحيث أنني ذكي وماهر وحاذق، وحيث أن هذا البلد الذي تكثر فيه الجامعات والطلاب لا يعطي فرصة للمال،.. وحيث..!..
فقد قررت أن أهاجر إلى كندا..
* * *
في ذلك المكان أستطيع أن أعمل بأجر جيد، وأتابع دراستي، وأجد لي صديقةً منحسرة الأثواب تعلمني اللغة بشكل أفضل، كما تعلمني الحب على طريقتهم، وربما أسعدها بشرقيتي فتؤويني وتطعمني وتسقيني وتعلمني يكل شيء بما في ذلك ترتيب الفراش!..
وكان الأمر أكثر سهولة مما توقعت، سافرت إلى هناك، وبالفعل، فقد استقبلوني.. من هم!.. لست ادري، لكنهم استقبلوني، شباباً وفتيات وعجائز في بيت الطلبة، ومن هناك بدأت حياتي..
مضى شهران قبل أن أذكر أن أمي تبكي وهي بشوقٍ لرسالة مني، فهي لا تدري أين أنا، وكذلك أبي!..
نعجتنا، من المؤكد أنها أضربت بضعة أيامٍ عن العشب بانتظار أن أرسل لها عشباً أجنبياً.. ولما يئست قررتْ أن توقف إضرابها، وتمد فمها إلى عشب الساقية الذي اشتاقت إليه..
أمي خلال تلك الأشهر لم تفخر بعلامات ابنها في الثانوية، وكانت إجابتها لجيرتها عن أحوالي مقتصرة على:
- (الله يرضى عليه !..)
كنت فرحاً وأنا أكتب الرسالة وأقول:
" أبي الحبيب، أمي الحبيبة!،
"أنا هنا سعيد، ولن أخبركم تفاصيل كثيرة إلا بعد أن تتم بنجاح، المهم أنني بخير.. اطمئنوا… …"
ولم أكتب لهما أبداً، أنني من حينها ذقت لذة الحرام..!
* * *
أحسست فعلاً في تلك الأيام أنني حققت أشياء لم يحققها أحد، وأنني صنعت المعجزات..
المباني التي أراها هي غير تلك التي في الغوطة، والشوارع العريضة تختلف عن أزقة بلدتي، والأشياء سريعة لا تشبه سير أمي والنعجة، والبنات يبرزن ما لاتبرز بنات جبال ريفي، ففي جبال ريفي ترى العيون تقدح وكأنها كل الإنسانة، وهنا لا ترى العيون لأنها جزء صغير في معالم الجسد الذي يعبئ العين!..
وأنا أعمل!.. صحيح أنني في آخر القائمة، وتعيّين لي أصغر الرواتب، لكنه راتب مرتفع لو حولته ضمناً إلى عملتي.. ولذا فقد قررت أن أرسل في الرسالة القادمة رقم مرتبي بعملة بلدي كي أبهر أمي والجيران العوانس..
صديقتي الكندية الطويلة مسحت بيدها الرقيقة جبهتي ووجنتي وقبلتني وقالت بلغة إنكليزية لم أفهمها كثيراً، وربما ظننت أنها تعني أنني شرقي جميل وفي لوني مسحة شوكولاتة وهي تحب ذلك كثيراً..
لم تجبني أمي في رسالة .. أجابني ابي:
- " أمك لا تريد أن تتحدث معك فقد مزّقْتَ قلبها.. أما أنا فأقول لك إنك أخطأت، وليراتك لا تعني شيئاً بالنسبة لنا.. ولكننا، أنا وأمك، لا نستطيع إلا ان ندعو لك بالتوفيق، وأن تعود بالسلامة.."
وعلى سطح ورقة الرسالة، وجدت آثار بلل، قال لي قلبي إنها كانت دمعة الرجل الذي كان ينقر الحجر طيلة عمره..!..
أخذت نفساً عميقاً شممت فيه رائحة بلودان، وأحسست بتفاح رنكوس يدغدغ حليمات لساني التي تحس أيضاً بطعم عنب دوما الجارح..
* * *
استقر بي الحال في كندا، مرتب يكفي المصاريف، وجامعة مسائية أزورها منهكاً، وفي يوم العطلة أرود الأمكنة برفقة الفتاة، وربما برفقة أهلها، ثم أقضي الأمسية بخلوة معها، فأكتب على جسدها قصيدة شعرٍ نزاريةٍ شامية، وأحس أن الدنيا تدور وأنا أمارس الانتقام والرغبة.. بينما المحبة التي في قلبي كانت تنصب مرةً واحدة وأنا أتخيل العائدات من النبع وعلى رؤوسهن جرات الماء الملأى بالمياه الباردة!..
وكان عملي هو أن أكون قاع العمال، فالكل يأمرني ولا أستطيع إعطاء الأمر لأحد.. ولكنني كنت أعلم أن ذلك مؤقت، ولابد أن ينتهي قريباً، وأنا ذكي ونشيط أستطيع خلال أشهر أن أظهر مهاراتي وأن أتقدم الآخرين..
بالفعل، خلال أشهر معدودة، أصبحت لغتي أقدر تعبيراً، وأصبحتٌ أكثر فهماً لما يدور حولي، فصرت مسؤولاً عن نفسي وعملي، ثم ارتقيت إلى أن أصبحت آمراً لعددٍ من العمال الأفارقة الذين يكنسون الأرض ويجلون الصحون!..
ومع ذلك فقد أصبحت أقرأ شعراً، مرةً على أقل تقدير كل أسبوع.. ووجدت نفسي مولعاً بأولئك الذين كتبوا..
" عُدُ بي إلى حمصَ ولو حشو الكفن.. واجعل ضريحي من حجارٍ سود"
اشتريت مذياعاً، قالوا إنه من نوع جيد.. ورحت دائباً أبحث فيه عن إذاعة دمشق..!..
* * *
نحن الشرقيون في العادة لا نتزوج امرأة اخترقنا جلدها، أو مس لحمها آخرون، أو عرضت سلعها أمام الناس.. نحن لا نفعل ذلك ونعتبره عاراً..
لكنني وقد رأيت نفسي بحاجةٍ إلى قرارٍ جازم بترتيب الأمور في بلاد البرد والريح، وبحثت عن حل آخر فلم أجد، فقررت ان أستخدم جسر المرأة الفتية لتكون معبراً يثبت أقدامي ويفتح أمامي مجالات اقتناص المال..
قررت في سري أن أتزوج صاحبتي، وأن لا أدعها تحمل بطفل!.. ولكن لمعة خوف استفاقت فجأة صدرت من مكان ما تشنج في ظهري وطغت على كل جسدي..
لمعة الخوف هذه كانت تقول:
- وماذا لو حملت من غيري!..
أسدلت ستارة أمام وجهي وقلت:
- ماكيافيلي قال ذات مرة: "…".
طأطأت الرأس كما يقولون وتابعت:
- ولكن لا بد من هذا فأنا بحاجة للبقاء والعمل..
يومها لونت الستارة أمام وجهي بلون أسود فيه ثقوب كثقوب المنخل التي اعتادت جارة أمي ابراهيمة أن تستخدمه، وغطيت وجنتيَّ اللتين اعتادتا الاحمرار، غطيتهما بكريم مصنوع من شحم الخنزير وخرجت وصاحبتي التي تسوق تطلب مني أن أغلق نافذة السيارة ذات الأعضاء المنخورة، وأشعل لها سيجارة أضعها في فمها وأظل صامتاً. تبادر الصاحبة بابتسامة ماكرة:
- تريد ان تغطي وضعك بالإقامة!.. ليس عندي مانع ولكن لا شان لك بحريتي.. أخدمك في هذا الأمر، ولكن عليك أن تدرك ان حريتي مقدسة أذهب حيثما أشاء وأفعل كل شيء..
بقيت صامتاً،
تابعنا نحو الكازينو، وبقينا حتى آخر الليل، نرقص، نأكل، نشرب، نتلاصق، نتمرغ، وبقيت شفاهي زلجةً من آثار الكريمات ذات الروائح الجميلة التي عندما غرقت فيها أحسست برائحة الشحم والفصاد..
قبلتُ، وأكلت وشربت حتى لم يبق مكان لنفس، لست وحدي الذي قبل!.. أعتقد أن الكثيرين من تغربوا قبلوا.. لست الوحيد الذي قبل وشرب!.. لست الوحيد الذي غاص في الدسم الدبق حتى روائح البراز..
لست الوحيد الذي لم يرقص دبكةً، ولم يطرب لأبي الزلف وصوت فيروز وأم كلثوم، ولست الوحيد الذي لم يقرأ عناوين الصحف ولم يستمع إلى نشرات الأخبار.. لست الوحيد الذي مشى في السراديب، ودخل في كهاريز المدينة وعاش مُميزاً وجميلاً بين جرذانها..
لم اكن سوى فحلٍ شرقي تشتريه واحدة طويلة تحمل جواز سفرٍ آخر.. ولم اكن سوى خنزيرٍ صغيرٍ يمضغ في بقايا بقايا الآخرين..
قبلتُ ، ونسيت!.. ماذا نسيت؟.. سألت نفسي ما ذا نسيت؟.. فأجابت نفسي وكاس مشروب ثقيلٍ في يدي: وهل يستطيع الناس أن يذكروا مانسوا؟.. انس أنك نسيت، وتذكر ما تتذكر!.. واستطل بشفاهك وبلسانك لتدخل حتى قاع اللعاب..
* * *
القيامة!..
أنا في فراشي في صباح متأخر وحيداً بعد أن غادرت صاحبتي، وحلمي مازال يرتجف في أوصالي وآثاره تتشنج في أعصابي، فقد رأيتني طبيعياً أقدم دواءً فاسداً لأبي وأمي العجوزين فيمدان لي أيديهما بينما كانا يغرقان في تجمع مصبات الأسيقة..
أستقبلُ صوت المذياع،
أستقبلُ موجات التلفزة..
أستقبل هاتفاً..
نعم!..
إعصاراتٌ من الكلمات تجتاح العالم.. كلها تتحدث عن بلادي!.. انتفضت خارجاً من بين الأموات..
وقفت، انتصبتُ، اختلجت ساقاي.. ماد قلبي فزعاً بين الأضلاع وتسارعت أنفاسي، وسكن رأسي كل صخب العالم وانفجاراته، ودار على كتفي دورة الأرض حول نفسها وحول الشمس.
القيامة!..
مضت سنوات طويلة، وأنا بعيدٌ بعد المحيطات الواسعة، ألوك أوراق النقد وأتغطى بجرائد الإعلانات، وألحظ شيئاً غريباً هو أن كل أحلامي قد تركزت في وسط جسدي.. ضاع رأسي الذي كان يفكر، وقلبي الذي كان يفرح، وساقاي اللتان كانتا تجريان إلى جانب أمي باتجاه حقول البلدة.. نسيت رائحة الشجر وطعم الخيار البلدي ولون الجلد الذي خلقه الله.. رأيت أنواع الطائرات منشورة على صفحات الجرائد.. كذلك كانت هناك أشكال الأسلحة الأخرى التي قالوا إنها تستخدم الآن ضد بلادي..
بلادي عاقة!.. خرجت على الآراء.. أرادت أن تبقى هادئة وسعيدة.. أرادت أن ترى أرض العروبة واحدة.. أرادت بلادي أن تصون تراث الأجداد وأرضهم.. أرادت بلادي أن تكون حرة، ولذا فهي عاقة ويجري تدميرها.. فهواء بلادي النظيف لا يصلح للتنفس، ومياه بلادي النقية لا تصلح للشرب، وبنات بلادي لا يكشفن عن بطونهن!..
أحسست بالطلقات تخترق دماغي، فرحت أروح وأجئ في غرفتي.. أقلِّب المذياع وأقلب التلفاز وأقلِّب الصحف، وأقِّلب أمعائي داخل جلدي.. أخذت أختلج كما لو أن كل عضو في جسدي ينفرد بإيقاع مختلف!..
عندما جاؤوا ليستمعوا مني إلى تفاصيل ما يحدث، فلا بد أنني مهتم لتلك الأحداث وأتابعها، وجدوني ملقى على الأرض أهذي..
- أمي؟! أبي؟!.. بلدتي ومدينتي!..
أخذوني إلى مشفى جسدي نفسي ووضعوا على فمي كمامة، وحقنوني.. فنمت كما ينام صرصور وجد نفسه بلا طاقة يخرج بواسطتها من مغسلة زلقة!..
نمت، وكان النوم بطول حياة الإنسان منذ أن طرده ربه من الجنة وإلى أن أدخله في جهنم!..
وكان النوم أكبر من كل المشاعر التي هاجت مجنونةً في داخلي!..
* * *
تركت خلفي دفء الفراش وعطره المجنون، تركت المرأة الطويلة كشجر الثلوج، تركت مجموعة العمال الطلاب الأفارقة وكؤوس النبيذ والوسكي، وتركت المستقبل الذي لم يكن مشرقاً.. غادرت بلا حسابات في الربح والخسارة واتجهت إلى مطار العاصمة..
وجدت بعض الآخرين تنبض قلوبهم هلعاً، مثلي.. يتذكرون أكل الزيتون والمشمش مثلي!..
وكانت رحلةً أطول من رحلة الإنسان من عصر الحجارة إلى عصر خلق الدول من قلب الظلم والأطماع، وإلى امتداد الظلم والأطماع..
وإلى أن وصلتُ إلى بلدي كان العدو قد امتد وقتل وسلب واحتل أرضاً جديدة من بلدي..
فبقيت ممزق الأشلاء، أبواي في بلدتي بين الجبال وتحت الشجر رحلا إلى تراب الجبال وجذور الشجر..
وجدت رسالة من أبي كتبها ولم يرسلها:
" .. أنت يا بني شجرة اعتادت منذ آلاف السنين أن تنبت في هذه الأرض، اعتادت على مياهها وأملاحها وهوائها، فأنت لا تستطيع أن تعيش في بلاد الصقيع.. ولا تستطيع أن تثمر في جسد عاهر،..."
".. أعرفك يا بني، أعرفك وأنت ترضع من ثدي أمك وتتشبث بلحمها، وأعرفك وأنت تسقي أشجار الحديقة الصغيرة، وأعرفك وأنت تفخر بأمجاد الماضي.. أعرفك وأنت تحلم بأيامٍ آتيةٍ نصنعها من أجل الخير والأرض والعرض.. فماذا حدث؟.. وأين أنت والملمّات تكتب، وصدور الطاهرات تتحول إلى مسرح للآخرين؟!.."
لم يتمم أبي رسالته.
كان عليَّ أنا أن أتممها وأن أمسح نظرات العتاب التي لم أرها وكانت على وجهه يوم رحل وكان حسرةً في قلب أمي يوم أن رحلت!..
كان علي أن أبقى حيث كان يجب أن يبقى.. تحولت أسفاري البعيدة إلى حلم ماضٍ .. وأصبحت الحقيقة هي خوفي من أن أغادر بلادي فقد يهاجمها الأعداء مرة أخرى..
انتهى عهد الرحيل!..
لن يكون الرحيل أبداً مرة أخرى،.. وها أنا ذا أنتظر اليوم الذي أستعيد فيه الأرض..
كنت أحس بالوزر.. أحس بأنني السبب الذي أدى إلى الكارثة، وأنني المسؤول عن الهزيمة.. واتقدت ناراً.. لم يخمد أورارها أبداً..
دخلنا حرباً جديدة بعد بضع سنوات، وكانت هذه الحرب صحوة أعادت بعض الحقوق.. وكان على الأعداء أن يعيدوا كل الحقوق.. كانت هذه الحرب التي بدأناها نصراً على العدو وعلى أنفسنا، وأصبح في قلوبنا شيءٌ اسمه الإرادة والعزيمة والثقة بالنصر.. كانت مشاهد البطولة أقوى من كل وصف..
ما عدنا مُغرّبين..
ما عدنا نستجيب لنداء الليل والجسد، ولا للآمال في مالٍ زائف، فضم شجرة إلى الحضن، واعتصار تفاحة في الفم، ودخول هواء مشبع برائحة الأرض إلى جوف الصدر.. وابتسامة خفراء من خلف الستر، أحلى من الأعراض الزائلة..
على بلادي يجب أن يخفق علم بلادي، كما يجب أن تميد في النسمة أثواب أمي على حبل ممتدٍ في أرض داري.. فأثواب الأم لا تباع وهي بحاجة إلى من يحميها.. وعلم بلادي يحميه أبناؤها..
ما عدنا مُغربين!..
* * *
* * *
عندها ناداني صديقي الذي درس في ألمانيا وأخوه الذي استضافنا، وكنت وقتها مازلت ممدداً على تراب الأرض في الغوطة.. حاولت النهوض، فوجدت شعرات رأسي البيضاء ما زالت منغرسة في التراب متمسكة به وكأنها تريد أن تنبت أشجاراً أبدية!..
-=-=-=-=-=-
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|