عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

"نحن نحب الورود، ولذا

فإننا نذبحها من أعناقها!" 

نيقوسيا 30/6/1998 

المقــص 

كل الناس تحب الحدائق والورود، وأنا كذلك،

من أجل هذا تركت مساحة صغيرة قدر مساحة غرفة أمام شرفة داري وجعلتها حديقة صغيرة. شباكي يطل عليها، وبابي يرتمي، حين ينفتح، بين أحضانها..

لم يكن جسمي يساعدني على عمل شاق، ولكنني مع ذلك فقد كنت أعرق مرة في الأسبوع أسوّي فيها بعض احتياجاتها، أو أكتفي بسقايتها والتمتع باخضرارها وإزهارها، وتمايل الأغصان العشبية الطرية فيها..

أتخمتها بزراعة عدد من الأشجار التي، ربما، لاتستطيع أن تتطاول كثيراً، نظراً لازدحامها، ثلاث أشجار زيتون على الرصيف وليمونة وبرتقالة وثلاث ياسمينات وعشر شجيرات ورد قزمة تعمل خطاً منخفضاً من الأخضر والأحمر والزهري.. كما أن نواة مشمش أنتشت ونبتت وترعرعت وأصبحت أطول الشجيرات وأكثرها تفرعاً، وانفردت بكون النمل الكثير يحفل عند جذورها فيتركها مهواة مقلوبة التربة مما ساعد على نموها الشجاع نحو قبة السماء.

عند كل صباح، وكلما استيقظت باكراً، وهذه عادتي، كنت أزحف من فراشي، وأنا مازلت مغمض العينين، أزحف نحو رقعة الأخضر الصغيرة فأفتح جفنيَّ في ضوء وانٍ لأرى البسمة على وجهها تنبثق وتقول: ها أنا ذا أخفق بكل خير وجمال ومحبة!..

وقت الفجر وهو وقت محبتي لكل شيء،.. هو الوقت الذي أقرأ وأكتب فيه، هو الوقت الذي أفكر فيه، هو الوقت الذي أصلي فيه داخل نفسي، وهو الوقت الذي أستطيع فيه قراءة الأسطر المكتوبة على جبهات أغصان ووريقات وتويجات حديقتي الصغيرة المنمنمة..

حديقتي كانت عطشى البارحة، فجلست ساعات أسقيها من خلال أنبوب بلاستيكي ضيق، لا تحبه هي، ولا أنا احبه!، لكن هذه هي الوسيلة الوحيدة التي أستطيع ريها بواسطتها، لكن ما كان يشفع لي، وما كان يسعدها أنها كانت تشرب من نفس الماء الذي أنا أشرب منه.. ومن خلال شرب نفس الماء بصورة دائمة، نقترب أنا وحديقتي الصغيرة من بعضنا، فنصبح جيرة، ثم إخوة، ثم أسرة، ثم عاشقين لدى كل منا خد أحمر، وقلب أخضر، ولنا رقصة خاصة هي التي تتم على عزف وإيقاع النسمة ساعات الفجر..

أحببت حديقتي، وامتزجت بها، فأصبحت سعادتي في يومي تنطلق في ساعتها الأولى من ملء النظر من تفاصيل العروق في أوراقها، ومن لمسات النباتات لبعضها في تهامس عطري أبدي.. وأظن حديقتي تترعرع من ضربات قلبي التي تصلها حباً وشوقاً على موجات قادرة هي وحدها على فهمها والإحساس بها..

حديقتي بكل ما فيها هي جزء من قلبي بل هي تسكن فيه..

وحديقتي لا تفرح إلا عندما تتلمس السعادة تنبثق من داخلي وتعم كل ما حولي.. 

*           *              *

أمامي، على طاولتي زُهرية كريستالية بوهيمية رائعة الجمال جاءتني هدية.. أسرتني بسطوحها الصقيلة الموشورية التي تحلل ألوان الطيف.. كانت رائعة، وكانت ابنة أغراب تقبع أمامي على الطاولة تناديني.. تخاطبني: لا أحب ولا أرغب في أن يبقى جوفي أجوفاً، املأني بالزهور فأنا أحبها، وأنا سأصبح أكثر جمالاً وهي في حضني.

خرجت من غرفتي إلى حديقتي الصغيرة وفي يدي مقص، وأنا أحب حديقتي باخضرارها وزهورها، انتقيت أجمل الورد وأمسكت عينتي المقص بإبهامي وإصبعي الوسطى وفتحت ساقيه، وعضضت به على زنود الوردات ففصلت الغصن عن بعضه، وتابعت إلى أن ملأت زُهرية الزجاج الكريستالي القادمة من بلادٍ بعيدة..

فرحتُ كطفل ضغط على عنق اللعبة حتى أصدرت صوتاً، ثم عدت إلى غرفتي أضع الماء في الزهرية لتروي الوريدات المقصوصة من الأعناق… 

*           *              *

أحببت حديقتي إلى حد العشق، وأحببت الورد إلى حد التملك، وملأت الزُهرية إلى حد الاختناق وريداتٍ جنينية منمنمة عبقة تجاوز تعدادها المئات، وضعتها في زاوية الغرفة بجانت المرآة، ورحت أتأملها جميلة فواحة متكاثفة على بعضها ومازال الندى يتمسك بها..

باقة ضخمة من الورد الصغير الملون المتعانق تعلو قمة الزهرية، والزهرية فرحة فقد أصبح فمها الواسع ضاحكاً يضم مئات الوريدات.

ذابت عيناي في باقة الورد في فم الكريستال، وعبق أنفي برائحةٍ عطرية..

وكان الجو صامتاً، فلم تمر النسمة ولم أسمع إيقاع الرقصة التي اعتدت عليها.. نظرت من جديد، اقتربت ونظرت من جديد خلال الزجاج الملون فرأيت أن الأغصان المقطوعة لا تتصل بالأرض..!

إنها فقط تسبح مجدوعة في ماء محبوس لا يتحرك..

رأيت أن الماء لم ينقص، ورأيت الندى مازال يعلو تويجات الزهر، رأيت انحناءة في الأعناق تحت الأكمام وكل وريدة تترامى على أختها، فانقلبت الآية في داخلي.

أغصان مجدوعة ترفض الماء الذي انحبس في زجاح ولم يأتِ من تراب الأرض. وريقات خضر (تهدلت) وبدأت تنكمش وتصغر، وتويجات وأكمام وبراعم تنظر في وجهي!..

لم تتحدث الوريدات، بل بقيت صامتة تطل بوجوهها الحزينة وترقب عينيَّ مشدوهة إلى حد البله!..

قلت: أنا أحببتكن وأحبكن ولذا فقد قربتكن من قلبي!.. ولم تُخْرِج الوريدات همسة واحدة!..

قلت: لأنني أحب الورود الملونة والأوراق الخضراء فأنا استمتع بها!..

ولم تتحرك الوريدات مَيْلةً واحدة!..

أمسكت بزُهرية الكريستال المختنقة بحشد الورود، قربتها من عيني وحدقت في تفاصيل وجوه النبتات الهزيلة.. حدقت فترة، إلى أن نسيت العالم من حولي، فرأيت التويجات تتحرك حركة الألم وتقول بصوت قادم من أعماق السماء:

- لو أحببتنا، لما قطعت أعناقنا!..

ذُهِلْتُ وأبعدت المزهرية عن وجهي..

لكنني استعدتها، وقربتها أكثر، أصبحت تويجاتها تلامس بؤبؤ عيني، فرأيت النسغ يشهق متحركاً بصعوبة وبطء، وسمعت الصوت القادم من أعماق السماء والزمن يتردد ثانية:

- إن من يحبنا لا يجز مصادر الحياة فينا!..

كنت مشدوهاً حتى الخبل، فالمقص قاتل، ويدي قاتلة، ورغباتي سادية تستمع بمصرع أرق المخلوقات.. 

*           *              *

التمساح يبكي، وكذلك فعلت أنا..

التويجات الزهرية بدأت تنفصل عن الكؤوس، وأعناق تتراخى.. وبؤس العالم يجتاح قلبي.. لقد قمت بفعلتي!..

فما العمل؟..

مرَّ عصفور فوق حديقتي،، زقزق وفرفر وضرب أجنحته بالأغصان ثم طار وحوّم وعاد فضرب أجنحته ثانية بالوريدات الباقية فاهتزت وفقدت بعض ألوانها.. ثم طار العصفور وحلق في الفضاء..

بؤس العالم يجتاح قلبي.. وأنا وحدي، ومئات الوريدات تنفرط داخل زُهرية زجاجية لا قلب لها.. فما العمل؟..

عدت فأمسكت بالزهرية من جديد، قربتها من صدري، وأسمعتها ضربات قلبي، فأحسست بالضربات تتحول إلى إيقاعات جنائزية.

عدت محدقاً في بقايا الوريدات، فانتفض كم زهر فتي يصارع الموت وقال لي:

- تسأل ما العمل؟.. ادفنا في ظل أمنا وتحت ترابنا الذي نبتنا منه!..

*           *              *

لملمت التويجات الساقطة إلى جانب الزنود اليابسة ولففتها جميعاً بخرقة بيضاء كالكفن، وحملتها برقة ما بين راحتَّي وأمام صدري وقلبي وتحت عيني.. وسرت الهوينا، إلى أن وصلت شجيرات الورد، فأرقدتُ الرفات تحت أغصانها وفي حضن جذورها مبتلة بدمع عينيَّ الذي انهمر فوقها.. 

*           *              *

*           *              *

مرت بضعة أشهر قبل أن أحاول استعادة الحديث مع حديقتي، فقد كنت أسقيها وأرعاها وأتجنب النظر في تفاصيلها، فقد كنت دائماً، وأنا أقترب منها كنت دائماً خجلاً..

وامتد صمت طويل بيننا!.. صمت بطول الشتاء..، لكن الشتاء يغسل الغبار، ويروي الجذور، وله رائحة تخترق الأجنة.

الشتاء يروي القلوب العطشى وينبت الحياة من بذور الحياة..

وهكذا وضعتني حديقتي في قفص الاتهام..

وهكذا أبقتني شتاءً حبيس نفسي..

ولكن عندما حل آذار من جديد بدأت أشم روائح القبل العطشى تسبح في سلسبيل المحبة..

انكمشت ساعات، قمت بعدها إلى شجيرات الورد أقدم نفسي لحكمها العادل..

حدقت فيها، استمعت إليها، أصغيت، أرهفت السمع حتى خفقات الروح في عالم اللاوعي..

قالت لي وردة:

- اقترب أيها النذل!..

وقالت أخرى:

- لا عليك أيها الصعلوك!..

وقالت كبرى الورود:

لقد تحول رفات ضحاياك إلى نسغ في عروقنا، ينبض فينا حياة وحباً وجمالاً.. لقد انبعثت فينا بناتنا وروداً جديدة أكثر جمالاً.. اقترب من جديد .. ولكن احذر!..

اقتربت، مررت بيد حانية على الوريقات والزهور.. مرغت وجهي بنعومة الحياة الهادئة الصغيرة..

رطبت يديَّ بندى الأرض..

وكانت الحديقة في قلبي تنبض بالمحبة والعشق الأبدي، عندما أسرعتُ إلى درجي وأمسكت بالمقص والزهرية، وألقيت بهما إلى اكبر مسافة أستطيعها..

نظرت إلى حديقتي، فرأيتها مبتسمة!…

 -=-=-=-=-=-

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm