البداية    صفحة الآداب    قبل أربعين عاماً

                                                                                           من أين ولماذا جئنا ؟

  الى أين ولماذا نذهب ؟

                                                 المهمة

                                           دمشق 1971

 

     كان الطريق ممتداً باتجاه واحد إلى مالا نهاية ، لكنه كان يمتاز بالمرتفعات والمنخفضات التي تعترضه في كل آن .  الطريق واسع لا يمكن تمييز حوافه ، وسائق الشاحنة الضخمة الذي لا نراه يشتم عثرات الطريق .

 

     معي مجموعة من الناس لا أعرف عددهم ، غير أنهم كثيرون ، وأخشى دائماً عتاب أحدهم لنسياني إياه .  ذاكرتي ضعيفة فلا أذكر ما هي مهمتنا ، ولا الى أين غايتنا ولا من أين انطلقنا ، حتى من هو يترأسنا الذي نسير وراءه لا أعرفه ، كدت أعتقد ذات مرة أنه أبيض اللون ذهبي الشعر أزرق العينين ، لكن ذلك لم يدم فقد هددني رجل من نوع آخر .

 

     الشاحنة التي نركبها طويلة وعريضة ، سمراء اللون ، لها بطن متسع نرقد فيه ، نسمع همهمات المحرك ، ونحس بنطحاته ولكننا لا نراه .  كنا فيما قبل نركض في هذا البطن فنتصادم لكنه ضاق بالحمولة المكدسة فيه ، فاضطررنا الى الرقاد ، ونتوقع في داخلنا أن ننضغط واقفين خلال أيام محدودة ، ونظل نلعب في خيالنا فقط ، ونذكر أننا كنا صغاراً كبرعم ندى نقفز في جوف الشاحنة .

 

     كانت حمولتنا كتباً مطبوعة بخطوط سوداء عريضة ورفيعة تتلوى وتتقطع ، ثم تتصل وتتلوى  . . بين تلك الكتب في جوف الشاحنة الهائلة الهادرة نحو الأفق تتطاول رؤوس متعددة الأشكال و الأجناس  ، ناديت فلم يرد علي أحد  .  كنت أتوق بلهفة الى أن أسمع صوت أحدهم ، إلا أن ذلك لم يتح لي فسكت أخيراً  ، وإذ بأحدهم ينادي بصوت كأنه من قعر بئر  . . لم أفهم ماهي بغيته ، وعجبت لنفسي وقد أحجمت عن الرد .  صمت الرجل فبدأ آخر بالنداء ، ولكنني شغلت عنه بآثار القلم على إحدى الصفحات  . .

 

     حملت الكتاب على كتفي  . . كاد كتفي ينهد ، ما أثقله من كتاب  . . خطوات ضعيفة متعثرة ونبهت أحدهم بكوعي .

-        قل لي ما كتب على هذه الصفحة .

     انتظرت ساعة فلم يدر وجهه نحوي  . . نقلت خطوة أخرى وقذفت قدمي في فخذ أحدهم .

-        فسر لي هذه الرموز .

-        أنت حمار ،  الق الكتاب من على كتفك ، نحن في مهمة .

-        مهمة؟!  كنت قد نسيت ! .  ولكن قل لي ما هي المهمة؟

-        لست أدري . اسأل غيري .

     ألقيت بالكتاب وتلمست كتفي ، ثم ضغطت على ساق أحدهم .

-        ما هي المهمة ؟

-        أية مهمة ؟!

-        نحن ، الى أين ذاهبون ؟!

-        لست أدري ، اسأل الأصلع  !.

 

     حدقت في الرؤوس التي يمكن أن أراها ، لكن لم يكن بينها واحد أصلع ، تنقلت معتمداً على رزم الكتب الهائلة ، ولكنني لم أفز ، بيد أنني لم أيأس فقط  ، وكنت استغرب حركتي بين قوم منتصبين كالتماثيل  . . وانتظرت أن يأفل النهار ، وكيف يأفل ولما  تزل الشمس في كبد السماء  . . تطلق رائحة عرق الأجساد النتنة رغم رزم الكتب المتناطحة . 

عندما فشلت في لقاء الرجل الأصلع قلت في نفسي:  لابد أنني أنا نفسي ذلك الرجل !.

-        من أين أتينا ؟  ولماذا ؟  والى أين ذاهبون ؟   كم هو عدد ركاب هذه الشاحنة ؟   ومن هو قائدنا ؟ و ما هي مهمتنا ؟ ..

 

     مصصت شفتي فكانت جافة مرة . صرخت بأعلى صوتي   . . المهمة ؟!  ماهي المهمة ؟!  لكن صوتي كان مخنوقاً الى حد بعيد ، وظلت الشاحنة الهائلة تطير تارة و تزمجر أخرى .

 

     ما أن وصلت الشمس الى منتصف السماء حتى أخذت السيارة تتأرجح على طريق يتلوي ، ما رأيناه قط  ، عرفنا ذلك من تلوي أعضائنا منساقة معه ، ثم ازدادت القرقعة وصدر صوت مجلجل .

 

-        الوقود في طريقه الى النفاذ !.

     وجدت دموعاً تنساب على وجنات البعض .

-        الوقود قليل و القدرة ضئيلة .

     تجمعت الدموع غدرانا صغيرة ، هتف رجل ضخم الجثة ،

-        لنلق بعض الكتب ! .

     أخذ رجل قزم قميئ يقفز في مكانه .

-        لا . لا . هذا كتاب ثمين لا تلقوا به ! .

-        لنلق بعض الكتب ! .

 

     تهافتت أعداد كبيرة من ركاب الشاحنة يلقون الكتب خارجها ، واستمرت كذلك حتى أنهكها التعب .

 

      استل القزم الشجاع سكيناً ورفعها في وجه الرجل محولاً منع إلقاء الكتب ، لكنهم رفعوه هو و سكينه وألقوا به مع الكتب  خارج الشاحنة.

ماذا كان حول الشاحنة ؟ عالم مجهول تماماً نحن لانعرفه .

 قلت للرجل:  سنعود مرة أخرى ونلتقط الكتب التي فقدناها .

-        لن نعود مرة أخرى .

-        كيف ؟

-        لأننا لا نستطيع أن نعود .

-        لماذا ؟

-        لان مهمتنا في اتجاه واحد فقط .

-        لنوقفها .

-        عندما نقف تنتهي المهمة ! .

-        أية مهمة ؟

-        وما أدراني ؟! .

 

   ظلت الشاحنة تتابع مسيرها . كان أمامي رجل يبتسم ، ثم فقدته فجأة ، ماعرفت كيف اختفى ، ولما سألت عنه قالوا بأنهم القوا به خطأ خارج الشاحنة .

-   القوا بالكتب كلها حتى نستطيع أداء المهمة .

صرختُ:  ولكن المهمة هي هذه الكتب ! .

-        كلا ! .

-        إذن لماذا نحمل الكتب معنا ؟!

-        لست أدري ! .

 

وجدتهم يتهامسون ، ثم يثبتون أنظارهم في عنقي . وفجأة لحقوا بي .

-        القوا به خارج الشاحنة ! .

     ركضت بين الكتب  ، وكلما اختبأت خلف كومة منها قذفوا بها خارجاً ، حتى أوشكت الكتب على النفاذ، فقبعت خلف آخر كومة وروح التحدي تتملكني .

-        لن تستطيعوا قذفي خارجاً !  .

-        سنقذف بك و بكتبك ؟ ..

-        لكن مهمتكم تنتهي عندما تقذفون بي وبكتبي !

 

     كانت الشاحنة تتأرجح قبل المغيب على صخور صلدة وتتقدم بصعوبة بالغة نحو قمة التله .

     وما أن رفعوا آخر كتاب و أوشكوا على القبض على عنقي حتى غربت الشمس تماماً وعم الظلام ، وانزلقت الشاحنة  منتفخة بالأجساد البشرية الى هاوية ليس لها قرار .

                       *                      *                       *

   البداية    صفحة الآداب    قبل أربعين عاماً