البداية    صفحة الآداب    قبل أربعين عاماً

    هو الانسان بقبحه وعطره  . .

               بسؤاله وجوابه  . .

                 هو الغاية والهدف  . .

 

                                              المدينة الآسنة

                                                                                                    التل 6\5\1974

 

     ولدتني أمي وسط هذه المدينة التي لم أجد لها ترحاباً في صدري منذ اللحظة الأولى   . . . فقد كانت المسافات تضيق و تضيق حتى تكاد الأبنية تتزاوج و تعجنني  بينها .

 

     الجدران المحيطة بي انكمشت و تقاربت أكثر الوقت و تحولت الى خط دائري واحد مركزه أنا .

     انكمش عرض الشارع الواسع و تحول الى حبل ملتو متعرجٍِ طويلٍ  ، ترتسم على طرفيه مخازن تعج بالأضواء المتلألئة المتداخلة ، تمتلئ بالبضائع اللماعة ، حيث ينظر الناس على عجل ثم يصطدمون بالجدران وببعضهم بعضاً  . . .

 

     وسط المدينة ساحة ملتفة حول نفسها تحيط بها المخازن النفقية التي لا نهاية لها وهي غائرة في أجواف الصخب  . . في داخلها مخلوقات مكتظة و أنفاس لاهثة محرورة ، و آليات ثقيلة تتشابك  ، و كل ذلك مكسو بتدافع الناس وصياحهم وصيفهم الدائم بهواء ثقيل راكد و غازات ناشئة من عطور متفسخة  . .

 

     و أنا ، وأمي ولدتني وسط المدينة في أحدى زوايا هذه الساحة  . . هناك حيث تلد امرأة كبر بطنها و انتفخ ، فتضع حملها الثقيل بماء الرحم   . . أراها في زاوية معتمة هناك ، إذ  لا يجوز أن تلد أنثى إلا في الظلام لأن عيني الجنين المغمضتين لا تحتملان النور الوهاج المتأرجح .

 

     عبرت مدخل أحد المخازن مع تيار الداخلين ، ورحت أنضغط بين الذي أمامي والذي خلفي ، حاولت التوقف أمام دمية وديعة الملامح ، غير أن التيار جرفني . عند منعطف وقفت شابة عارية تلف حوضها بشال زهري متدل دعاية لقماش الشال ، مددت يدي أتلمس الشال و صاحبته غير أن التيار ابتلعني من جديد   . . فألفيت نفسي مرة أخرى وسط الساحة .

 

     تتردد الأنفاس في جو من الريح البائسة   . . تتزايد الناس والمسافات الفاصلة بين الأجساد تتناقص منبئة باختناق عاجل  . .

 

     ارتفعت وسط الساحة بركة ماء يتقلب قلبه وكأنه على نار هادئة  . . اندفعت لأغسل وجهي فيه  فكان مالحاً ميالاً للأخضر  . .  كل الآخرين حولي  غارق في همه ، إلا رجل واحد جسيم يضع وردة حمراء في جيب بزته السوداء رافعاً جبين هامته نحو الشمس يسير بنقلات عريضة ، يحدجني بنظرة مسرعة ويتابع سيره دون أن يلقي لي بالاً  . .

 

     تلد المرأة مخلوقاً جديداً في هذه المدينة ثم تموت . هذا هو عملها  . . أمي كذلك ، فهي حينما ولدتني ماتت لأن أحشاءها خرجت معي  ، لم تعلمني كيف أحبو ، لم تطعمني  ، لم تسقني ، ولدتني و ارتمت جثة فارغة.

     هذه المدينة لا حدود لها ، تكتم الأنفاس ، يداي لا تطالان جدرانها ، بيد أن جدرانها تطال سويداء قلبي .

     هناك شيء أبحث عنه ، لو وجدته لأضحت المدينة فردوساً و مرتعاً . هو دواء ما ، اختراع ما ، شخص ما ، مكان ما ، أبحث عنه ، لو وجدته لأمطرت سماء المدينة ، وصمت الصخب ، وعبقت رائحة الياسمين ، ودفق قلبي دماً أحمراً نقياً  . . .

 

     رحت أبحث عنه ، دخلت مخزناً إثر آخر   . . كلها مخازن بالية نتنة ، يمتزج فيها اللون بالرائحة بالصخب بخيوط العنكبوت  . . كلها طويلة كالأمعاء الغامضة رغم الأضواء  . . الأشياء بداخلها باهظة الثمن غير أنها منفوخة الأجواف خاويتها .

 

     تنقلت من مخزن الى آخر ، ربما قفزت بعض الأحيان فوق الرؤوس مستخدماً ذروة قوتي ، وعبثاً أبحث عن الشيء . عن شخص ، عن الاختراع ، عن الدواء الذي يقلب كل القبح الى شهد  . .

 

     دخلت المخزن ، دخلته باتجاه آخره ، فبدا معتماً عميقاً يتمدد ويتطاول حتى أحسست أنني أمام جدار صدره  . . لكنني حينما مددت يدي لألمس جدار الصدر هذا ، لم تصطدم يدي بشيء بل غاصت في فراغ  . سألت أحد الرواد عن نهاية المخزن فأجاب مستهزئاً:

-        هو ذا ، و أشار الى العمق المظلم .

 

     سريت بخوف ، وخشيت أن أتابع ، التففت على نفسي وتدافعت مع الأجساد الأخرى عائداً الى وسط المدينة ، ثم أخذت أبحث عنه ، وقلبي يخفق ، متطلعاً الى ما يقلب هذه المدينة الآسنة الى جنة  . . أردت القفز الى البعيد من أجل البحث .

     لا ممر الى الخارج  . . الساحة مكتظة ، البركة في الوسط تتقلب غثياناً  . . المخازن تصد الطريق  . . لا معبر  . . الشيء الذي أبحث عنه هناك في الخارج ولا سبيل إليه  . . فرحت أدور حول نفسي و أدور   . . انتقلت الى مداخل كل المخازن بحثاً عن طريق غير أن المخازن كلها كانت متشابهة  . .

 

     لم أيأس وتابعت الى أن تصلبت عضلاتي و اندلقت كتلة واحدة على الأرض  . . لكن السيارات تابعت طرادها المجهول  . . كنت أرقبها من بين العجلات ممعناً النظر بمسننات تلتف و تتشابك وترسم خطوطاً صغيرة من التعريجات .  انسللت من بين كتل الحديد وعدت الى وسط الساحة جانب البركة  . .

 

     في لحظة ما تمنيت آلية ثقيلة تضغطني جثة منكمشة تنزاح الى الزاوية التي ولدتني فيها أمي ، لكن الأمل في البحث عن الشيء هو الذي منعني من إلقاء نفسي تحت هارسة ما .

    

     سألت رجلاً  رزيناً:

-        كيف الطريق الى خارج المدينة .؟

-        لست بحاجة الى ذلك الطريق .!!

     سألت رجلاً آخر فاجأني بابتسامة هازئة:

-        لكل شخص هنا طريق خاصة به ، ابحث عن  طريقك!  . .

-         أبحثُ عن طريقي! . ولكل شخص طريقه الخاص به ، إذن ؟  . .

     رحت أبحث من جديد  . . لاأثر لطريق واحد أبداً  . . أو للشيء الذي أبحث عنه ..

 

     جلست الى حافة البركة فتسربت المياه الرمادية الى جلدي ، فانتفضت  ، واتجهت نحو أقرب مخزن  .. تدافعتُ الى أن تخامد النور وعدت الى جوف المخزن وإلى الظلام الدامس مرة أخرى  . .

 

     لا أريد البقاء في هذه المدينة إن لم أجد الشيء الذي يغيرها  . . انزلقت عبر الظلام  ، وسريت بخفة طير لونه أغبر  . . أطبقت جفني فلا جدوى من التحديق في العتمة ، ورحت أتحسس الطريق  . . كان طويلاً لا ينتهي  . . سرت وماكان لي أن أتراجع و طريق الأوبة غير ممكن!  . . ولم يعد للزمان حساب  .. لكن الأمل كان يكبر  . . سأبحث و سأجده في النهاية ، ذلك الشيء الذي سيغير وجه المدينة  . .

 

     الظلام المطبق يغيّبُ كل شيء  . . نسيت لون بشرتي ، و نوع الثياب التي أرتديها ، نسيت أنوار المدينة، و المدينة التي ناءت بضجيجها و روائحها ، و رحت أغذي السير فقد خشيت أن أجد نفسي مرة أخرى في مدينة الصديد .

     الطريق طويلة  . . لكنها لا بد أن تنتهي  . . وأخيراً  ، وجدت نفسي في فلاة رحبة واسعة مليئة بنور هادئ  ينسكب من قرص الشمس .  ووجدت الذي أبحث عنه ، والذي سيغير المدينة   . . كان أمامي شخص متوسط الطول والقد ، ألوانه لايمكن تمييزها  ، يجري مثلي تماماً  . . لحقت به و كلما أسرعتُ أسرعَ ، و كلما تباطأتُ تباطأ  . . وبقيت أعدو وهو يعدو ، ونبضات قلبي تتأرجح مابين مُرسلةٍ الى قمة الرأس و أخرى مرسلة الى قاع القدمين  . .

 

     أريد أن أصيح به: قف يا منقذ المدينة ! . . قف أيها الرجل . لكنه لم يتوقف  .

 

جريت متتبعاً خطاه  . . أسرعتُ  فأسرع ، أبطأت فأبطأ ، ثم تقاصرت المسافة بيني و بينه ، وتلبد الطعم المر حول لساني ، وبدأت عضلاتي تتحجر ، ولكن لا بد من الوصول إليه ، ولابد من إنقاذ المدينة  . . وبذلت جهداً أكبر  . .

 

     مددت يدي لأصل الى ثيابه الرمادية ، غير أن ثيابه تلك غابت في جسده فأضحى عارياً يجري ، فرأيت فيه شبه إنسان مألوف  لدي  . .

 

     تابعت العدْوَ:

-        تعال أرجوك ، تعال أنقذ المدينة!  . .

     لم يجب ، تابع بقوة أعظم وكان عليّ أن أبذل جهداً أعظم للحاق به ، ولم أنثن و أنا أعدو قفزاً  . .

 

     عندما أمسكت كتفه وجدته ليناً كالقطن المنفوش ، وحينما استدار نحوي ، وجدت نفسي أمام مرآة أرى فيها نفسي . في لحظة واحدة ودون كلمة من أحدنا دخل جسمه في جسمي بالكامل وغاب  . .

 

     ومن جديد وجدت نفسي وسط المدينة غارقاً في البركة أعب من القيح و الصديد  . .

 

      *                   *                 *

البداية    صفحة الآداب    قبل أربعين عاماً