|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
"إن كان في يدي حبة دواء واحدة ،
فأي مرض من الأمراض سأداوي بها؟!"
|
|
القرار |
نيقوسيا 16/6/1997
أسماني زملائي اسماً مركباً ثقيلاً، فما عادوا ينادونني باسمي (سليمان) بل بما ركبوه عني: (المنعزل). حتى أن بعضهم عدل الاسم إلى (بيت العزل) أو غيره من الاشتقاقات التي تفيد كلها معنى الانفراد والابتعاد عن الآخرين.
زملائي في المخبز كانوا يعرقون وكنت أنا أعرق أيضاً، لكنني كنت نكرة بابتعادي وصمتي. كل مافي الأمر هو أننا نأتي الوردية الليلية نعجن ونقرِّص ونخبز مستخدمين أجهزة كبيرة الحجم بدّلت القليل من شقائنا إلى نشوات ارتخاء قصيرة.
لم أعتد في صغري سهر الليل. (سليمان كان في صغره خم نوم)..هكذا قالت أمي لجارتها.. (كان أكثر أولادي إراحة لي).. وتابعت: (ولكنني كنت أخشى قلة حركته، إلى درجة أنني كنت أتحسس تنفسه وضربات قلبه بعض الأحيان).
يوم أن دخلت المدرسة للمرة الأولى اقتعدت الأرض في زاوية الباحة أراقب الآخرين يتدافعون ويتصايحون ويتباكون، والمعلم يندفع بينهم فيتعلقون بأطرافه، وهو يبدو هَرَماً بينهم.
جلست على آخر مقعد في زاوية غرفة الصف، فكان المعلم كثيراً ما ينساني، فلا يسألني ولا يراقب دفتري، أو ربما كان يهملني عن قصد ليرتاح من الصعوبات في تعليمي، فأصبحت كما لو كنت كتلة مرمية في زاوية مهملة.
حينما كنت أجلس إلى طبلية الطعام بين أبوي وإخوتي السبعة كنت أنال أقل نصيب، إلاّ أن أمي كانت تخبئ لي بعض الطعام بين الحين والآخر فتحشوني به كما تحشو النعجة…
كنت قليل الرغبة بالحركة، فأنا أقل الفاعلين في كل الدروس، وفي كل النشاطات أنّىَ كانت وحيثما كانت.
أخيراً قررت إدارة المدرسة أن لا فائدة من متابعتي الدراسة، ويبدو أن الأسرة قررت ضمناً أن سليمان (تكملة عدد)، فتركوني وشأني بحبل على الغارب أفعل ما أريد وأذهب حيثما أشاء في الوقت الذي يحلو لي، فلا خوف ولاضرر ولافائدة. ورغم حرص أمي-الشخص الوحيد- على رعاية احتياجاتي، فقد كنت أقل إخوتي رعاية وشأناً.. ورغم كوني الخامس في ترتيب الولادة فقد اعتاد إخوتي الأصغر سناً أن يضربوني (لطشاً) بلا سبب أعرفه، فتواسيني أختي الكبرى وتربت على كتفي ثم تمشي لشأنها وتنسى.
* * *
(المعزول والمنعزل وبيت العزل) كلمات أطلقها زملائي في الفرن.. فأنا أزدرد اللقيمات وحدي.. أجلس لو
جلست وحدي.. أبحث عن العمل المنفرد بعيداً عن تجمعات الآخرين.. كنت وحدي أقدر على إطلاق الخيال، فعندما قاربت العشرين، أخذت أفكر في حال الأسرة التي تباعدت بسبب المصالح ولم يبق منها في البيت سوى الأم وأخت عانس وأنا.
مات الأب وتفرق الأولاد كل لشأنه، ولم تبق سوى العناصر الضعيفة.. حتى الصغار رحلوا مع أمواج الباحثين عن لقمة العيش في أرض الله الواسعة..
بضع سنوات
مرت حتى الآن دون أن يعرف زملائي الكثير عني، أو أعرف الكثير عنهم، فأنا بالنسبة
لهم شئ مهمل، وهم بالنسبة لي أشياء لا تستثير الفضول..
عزائي الوحيد بعد أن أقطع المسافة بين الفرن والمنزل هو أن أجلس بجانب شجرة الكباد
في زاوية مدخل الدار أشمها فأحب رائحتها و أتلمسها فتدغدغني في عروقي.
* * *
عيناي ترقبان العجانة، تخلط، تقلِّب، حيث تتحول كتل العجينة إلى تلافيف متداخلة تتقطع في البداية ثم تتواصل.. تشدُّني تلك التلافيف، ثم تأسرني إلى حد الضياع في داخلها..
عندما تقف العجانة توقظني من سرحة أخرجتني مما حولي وكأنني أُوقظت من حلم.. كنت أسمع فيه حديثاً دار بين اثنين من الزملاء.. ربما كنت أراهما بحركات شفاههما دون أن ألتفت.. مرت لحظات استعدت فيها حديث زميليّ من خلفي وهما يقولان:
- انظر بيت العزل، إنه سارح في ملكوته!.
- لماذا لا تقول إنه في حالة (انسطال)؟
- أو جاءته ساعة (الجدبة)؟!.
- ها ها ها ..
- ضحكك قد يوقظه!.
- حتى لو استيقظ، ما الفرق؟. إنه في حال غيبوبة وهو مستيقظ..!.
- ها ها ها .. لعل أباه لم يكمل مهمته تماماً فترك المسكين بلا بنزين..
- تضحك؟.. ولكن قلبي يحزن عليه أحياناً، فهو منعزل تماماً عن عالم البشر، ويبدو لي أنه سيبقى كذلك كل حياته.
- ها ها ها ..
- ها ها ها ..
وابتعدا..
* * *
لم يكن بمقدوري أن أنام في تلك الليلة. قبضتي كانت تعتصر الوسادة باحثة فيها عن أثر لاهتمام، وفي لحظة ما أحسست بأنني ربما كنت لا أكثر من وسادة مهملة تلقى هنا وهناك.. قطعة مرخية متهدلة بحاجة إلى من يبعث فيها الحياة.. لو أُلقيت في جردل ماء فسيقرقر بعض الهواء خارجاً منها تاركاً إياها خرقة ثقيلة متهالكة..
أنا لست خرقة!. أنا لست كتلة في زاوية.. أنا لست جسم إنسان بلا عقل ولا قلب ولا ساعد.. أنا لست خرقة!.
ذهبت صباحاً باتجاه الفرن..
- يامعلم.. أبا أحمد، أبا الرجال.. أنا بحاجة لإجازة.. بعد ثلاث سنوات أنا بحاجة لإجازة..
- ولماذا أنت هكذا فجأة بحاجة لإجازة؟.
- هذا شأني!.
نظر صاحب الشأن في عينيه .
- خذ إجازة اليوم.. والله، والله قد نطق أخيراً العزل ابن المعزول، خذ إجازة.. اليوم أو أي يوم تريد فهي على أية حال على حسابك، وفي كل الأحوال وجودك ليس هاماً..
- نعم سآخذ الإجازة.. وسآخذ أباها أيضاً..
قال زميل لآخر:
- نطق كيس الباذنجان.. وأول الرقص حنجلة..
* * *
تساءلت إلى أين وجهتي؟.. وسرعان ماقررت أن أرى الناس، أقترب منهم ، أعاشرهم، حتى لو تمادوا، لو ضربوني أو سخروا مني، حتى لو اضطررت إلى ضربهم.. كان المهم عندي هو ان أمسح وصمة العار عن جبيني .. لا أطيق السخرية والهمس، لا أطيق أن أنال أجراً أقل من غيري، لا أطيق أن أكون الوحيد المهمل في الزوايا، الموصوم بالانعزال الفطري والصعلكة الأبدية.. إنه لا أحد يحس بي إلا أمي التي في ضعفها وعجزها تضيف إلى ضعفي وعجزي.
قررت أن أكتشف دخائل الناس، أن أبحث في أسرارهم وأسرار نجاحاتهم.. سر صوتهم الداوي، سر قراراتهم الحازمة، سر لقمتهم الكبيرة الطيبة وسر عجلات سياراتهم وياقاتهم الملونة المعقودة بأناقة.
الشوارع بدأت تزدحم. كنت أرغب أن أصرخ في وجه المارة:
- أيها الناس!. لقد قررت أن أخرج من جحور نفسي وشقوق العتمة في داخلي، أن أخرج إليكم لأحبكم وتحبوني، لأدفعكم وتدفعوني، لأضربكم وتضربوني.. فلن أكون كيساً من البطاطا ملقى في زاوية مظلمة!.
طال بي المسير في شوارع متشابهة، ولما أيقنت أن لا أحد يأبه بي ولا بالذي بداخلي، اخترت مقهى منفتح الواجهة يشهد سوقاً كاملة، فيها بائعو الخضار والسندويتش والألبسة والأقمشة والإلكترونيات وأدوات المطبخ والتحف والهدايا والذهب والحلويات والمكسرات والمنظفات.. خط من البشر والمحلات لانهاية له.
جلست على كرسي عتيق عتق المقهى نفسه، فأحضر لي فتى صغير صينية خفيفة ترتكز على ثلاث قوائم وترتفع حتى وسطي، ثم وضع عليها صينية الشاي التي تموج ببقايا الماء تحت كأس الشاي الممتلئ. في الكأس ملعقة صغيرة من واجبي أن أحركها كي أحصل على تذويب معين للسكر من أجل الحلاوة التي أرغب بها..
وقد فعلت. ثم أخذت أراقب الناس ساعات طويلة..
* * *
إلى جانبي الأيسر درج عريض يرتفع بمحلاّته، وعندما تمر صبية بلا بنطال، وأرى الغمّازتين فوق البطتين، أشعر بتوقف الأجفان عن الحركة.. وعندما تمر صبية تلبس بنطالاً، تشدني حركة القبتين في أعلى البنطال وعندما تقبل حسناء أخرى هابطة الدرج أسرح في قبة أعلى الصدر تتهادى نحو الأسفل مقتربة إلاّ أن القبة لم تكن كتلة واحدة بل نافرة إلى كتلتين، فأحمد الله على أنني شاب يرى ويحس..
أنا شاب ولي حق أن أرى وأحس ولابد أنني سأتزوج قريباً من واحدة من الحسناوات.. لكن عليّ أولاً أن أجهز مكان السكن ومهر العروسة وعملاً لائقاً..
هذه هي البداية، سأدوس على عزلتي.. سأخرج من الفرن إن لم أصبح أكبر واحد فيه بأكبر مرتب.
تابعت بعيني حسناء دخلت مخزن ثياب لامع الواجهة كثير الإضاءة في الخارج قليله في الداخل.. دخلت الحسناء متحفظة في أن يلاحظها أحد.. غابت ساعة تقيس وتبدل وتجرب يساعدها شاب أنيق، ثم خرجت دون أن تشتري ووجهها مصبوغ بحمرة الدم.
نظرت إلى شاب ثيابه من غير كي يأكل سندويتشاً طويلاً على قارعة الطريق، (يخرخر) الدسم على بنطاله، وعند اللقمة الأخيرة يرفع يده في وجه البائع:
- أنت حرامي!.
- ادفع بالتي هي أحسن وإلا ربيتك يا ابن الكلب.
خرج إليه اثنان من داخل المحل الصغير، فأخرج مالاً من جيبه،.
- أمري لله!.
خرجت امرأة بمنديل أسود يغطي وجهها تتلفت يمنة ويسرة من محل بائع الذهب.. جرى في إثرها صاحب المحل مستطلعاً كل الاتجاهات يسأل جيرانه. سأل جيرانه وعاد مسرعاً ليطلب الشرطة التي تأتي وتكتب التبليغ ثم تعود.. يكتشف الصائغ أن المسروق قطعتان وليس قطعة واحدة.. يصفع وجنتيه براحتيه.. ثم لايلبث أن يغلق باب رزقه ويتجه اتجاهاً ما يكلم نفسه.
طلبت من الصبي أن يحضر لي كاس شاي آخر، وعلبة سجائر مهربة. وضعت ساقاً على ساق. أشعلت لفافة وامتصصت دخانها ونفثته في وجوه المارة وكأنني ابن الإمبراطور.. ذكرت الفرن وزملاءه.. أنا كيس باذنجان مرمي هناك منعزل معزول بلا صوت ولا ابتسامة ولا دمعة.
أسندت ظهر الكرسي إلى الجدار المنتبج حامل بعض بقايا كتابات قديمة: = مقهى السعود بني عام 1899= لم أستطع قراءة ماكُتِب عن اسم السلطان فقد شدني منظر شرطي يمسك بياقة بائع متجول من الخلف ويدفع به، وفي كل خطوة يسدد إلى قفا عنقه صفعة بيده الأخرى.. والبائع المتجول الفتي يندفع ممسوكاً بقوة .. في رأسه المحني ذل.. يغيب المنظر وتنتهي الحكاية..
كان بجانب المقهى صنبور ماء سبيل مفتوح على روح الحاج عبد الحق، والمطلوب قراءة الفاتحة على روحه، مقابل شرب الماء من إحدى طاستين تمران من خلال قضبان الحديد المانعة لوضع الفم على الصنبور مباشرة.. يمر طفل فيشرب.. تمر امرأة لتشرب فتنزلق قدماها بفعل دفع ولدين يتمازحان..
- الله لايوفقكم، الله لايوفقكم..
مروا وشربوا وتدافعوا ولم يقرأ أحد الفاتحة على روح الحاج عبد الحق.
لم يكد النهار ينتصف حتى امتلأت جوانب الطريق بأوراق السندويتش وقشور الفاكهة ، وقد بدا لي أن متعة الشرب والأكل في الطريق العام هي مثل متعة الحرام، كما كان زملائي في الفرن يقولون.
اندفعت لأجمع بعض القشور دفعاً للأذى عن الناس، كما زينت لي نفسي، لكنني تلقيت بعض الركلات، وجرى خلفي صبي المقهى:
- ثمن المشاريب ياأخ..
- أنا عائد لمكاني، لاتخف..
- كنت أحسب!.
وعدت إلى مكاني:
- كأس شاي آخر.
-عفواً، ادفع الحساب أولاً. كأسين من الشاي بخمسين ليرة .
- ليكن.. كأسٌ آخر.
اعتدلت على الكرسي. قد طلبت ثلاثة كؤوس من الشاي حتى الآن وعلي أن أستمتع، أتمطى، وأتثاءب بما يعدل قيمة هذه الكؤوس.. امتصصت سيجارة، حدقت النظر في لحم السائحة وصاحبها يجربان المعسّل في النرجيلة ويتضاحكان.. تضع الفتاة ذات الوجه الأشقر المنقط ساقاً على ساق فينحسر البنطال القصير عن لحم مقرف لم أعتد على لونه الوردي المزلوع.. قلّدها صاحبها ووضع ساقاً على ساق..
استدرت بعنف باتجاه المحلات التجارية.
شيخ خرج من المطعم أصفر الوجه يتقيأ..
شاب صغير يسري بين الناس يدخن سيجارة التقطها من أي مكان ، فيشتد به السعال..
امرأة في الخمسين تخرج من محل أدوات التجميل وقد تبقع وجهها بألوان الطيف كلها والتصقت في شعرها نماذج ديدان الربيع، وعلى نحرها سلاسل ورق من ذهب بحجم وجه أمي..
شاب يدخل في زحمة المتحركين، يدس يده بين ساقي امرأة مكتنزة لايرى وجهها، تستدير نحوه بوجه امرأة عاشرت كل الرجال، وتقرع رأسه بكعب حذائها العالي..
قرقعات طاسات بائع السوس تنجلي من بعيد، فأشتهي طاسة باردة ليس فيها ذباب..
بائع متجول بعربته العريضة يخترق السوق ويدفع بالناس:
- كل غرض بماية..
وأسأل صبي المقهى:
- كيف يسمحون لهذا البائع بهذا الشكل في هذا الازدحام؟!.
يضحك الصبي ويستدير حاملاً صينية الشاي ويتمتم كلمات لاأفهمها.. ثم تأتي سيارة.. سيارة وسط هذا الازدحام.. وأقول في نفسي: لا بد أن وضعها مثل وضع العربة!.
فاجأني رجل في الخمسين ينادي:
- ساعة رولكس ياشباب بخمسمائة ليرة!.. يابلاش!
فيما مضى سمعت أن ساعة الرولكس تعادل آلافاً مؤلفة من الليرات وهذا يبيع الساعة بخمسمائة ليرة !!. إما أنه سرقها أو أنه يجهل قيمتها..
- هات لنرى!.
- ساعة رولكس أصلية.. والله لو لم أكن بحاجة ماسة لما بعتها..
وخوفاً من أن يراني أحد أشتري ساعة ثمينة كهذه بسعر بخس، أخرجت كل مامعي، وأمعنت النظر في الساعة،
- نعم مكتوب عليها رولكس وهي تدور.. خذ.. خذ.. الله معك.
كنت سعيداً، فلعلني أدخل عالم التجارة، ونحن نسمع دائماً أن التاجر رجل غني، فلو بعت الساعة ببضعة آلاف، فسأبحث عن أشياء أخرى أشتريها وأبيعها وبذا أخلص من الفرن، بل ربما أشتري فرناً ملكاً لي، وأستطيع بناء بيت ودفع مهر أنثى جميلة من ذوات غمّازات البط وكتل الصدور المزدوجة، وأنعم.. فلا أبقى كيس باذنجان في الزوايا المهملة..
اقترب مني صبي المقهى..:
- ماذا اشتريت من ذلك الرجل؟.
- وما دخلك أنت بما اشتريت؟
رمى إليّ بنظرة ما رأيتها في وجه أحد من قبل:
- هل اشتريت ساعة رولكس؟!.
انتفضت كما لو لدغتني أفعى.. انتصبت ثم عدت لأرتمي على الكرسي.
- كيف عرفتَ أنها ساعة رولكس؟!.
- لأنه في كل يوم يأتي بمثل تلك الساعة يصطاد بها زبوناً مثلك..
- آ؟!.
- يشتريها الزبون، فيلعننا وإيّاه ، فننال الشتيمة ونخسر الزبون.. لو أنني علمت قبلاً لنصحتك بعدم شرائها..
رويداً رويداً أخرجت الساعة من عمق جيبي وتفحصتها ملياً.. استعاد صبي المقهى نظرته تلك وانسحب ، وبقيت وحدي في خضم صخب السوق أتأمل الساعة التي بدأت تنهار تشكيلاتها وزواياها بين يدي لتبدو على حقيقتها..
اندفعت بين الحشود.. ضاعت ليراتي التي جمعتها.. طارت في الهواء.. أجري.. أجري.. علني أجد الرجل..
في السوق امرأة تسرق، وعجوز تُلقىَ على الأرض، وعاجز يأكل الطعام القديم، وشرطي يقدح عنق البائع، وشاب يقتحم جسد عاهرة، ورجل يبيعني ساعة رولكس.. وأجرى.. وأجري.. فأجد نفسي باتجاه بيتي المتهالك، باتجاه أمي وأختي العانس.. ودمع نافر من أُسِّ عيني.. أجري، أجري إلى حد الغثيان..
أنزاح إلى شجرة الكباد، أشم رائحتها، وأضع لحائها بين أسناني وأعض مثل كلب مسعور إلى أن تتخدر عضلات وجهي وينساب النسغ المر في فمي، وأحس بأمي وأختي تشدان بي وتقوداني إلى السرير.
- اتركاني فأنا لست كيس باذنجان.. كما أنني لن أذهب إلى الفرن.. أنا لست سائحاً، ولست عاهراً، ولست لصاً، ولست بائعاً ولامشترياً، كما أنني لن أذهب إلى السوق..
أنا لن أذهب إلى الفرن، ولن أذهب إلى السوق..
ولكن إلى أين أذهب ؟؟..!!..
![]()
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|