من قصص ماقبل أربعين سنة

        البداية    صفحة الآداب    قبل أربعين عاماً

           

                                                               مصير الإنسان دفين داخل أعماقه

الكهف

                                                                                                                                               المالكية 16\4\1971

      يلتف الطريق شمالا نحو الحقول الواسعة ، ثم يضيق حتى يصبح موطئا لدابة واحدة  ومنزلقا يحذره البشر والدواب على السواء .

 

     أخرج من جيبه خرقة بيضاء متسخة مسح العرق عن جبينه ، وحث خطاه الى بستانه القريب ، بستانه الحبيب ، والذي ما ادخر جهدا من أجل رعايته وصيانته  . . . فبستانه ، من بين البساتين  يمتاز بسور مرتفع يتوج بقطع من الزجاج .

 

     هو رجل جاد مجد ، يحرص على جهوده التي يبذلها دون كلل ، فباب السور موصد دائما ، وأشجار باسقة منتظمة تعطي ثمرا جيدا مضاعفا .

 

     اعتاد على قضاء كل فترات راحته المحدودة خلال فترة الصيف في بستانه ، مستلقيا على التربة الظليلة ، محدقا وممعنا النظر في شجراته مسبحاً لله بسبحته التي تعد مئة حبة وحبة .

 

     ورغم أنه يقضي بقية أيام السنة في دكانه الزاخرة بالموجدات ذات الرصيف المكتظ بالزبائن ، فهو لا ينسى أن يزور بستانه بين الفينة و الفينة .

 

     وعلى الرغم من جري المال بين يديه فلم يتمكن إنسان ما من أن يربط أو يجد رابطا بينه وبين ابنه الصبي اللعوب غريب الملبس ، بحيث لا يعرف من أين مصدر ملبسه .

 

  زوجه صامتة دائما ، وكثيرا ما أحست جارتها بدموع مخنوقة في عينيها الجميلتين فتناشدها الإفصاح عن كمائن مواجعها فتأبى ، ذاكرة رب العالمين الذي لا يغفل ولا ينام رابته على ظهر صغيرها .

انعطف الطريق الترابي متجها نحو بستانه ، وتحسس ثلاث قطع رنانة في جيبه وأطبق عليها قبضته بشدة مستشعرا لذة عظمى .

 

     اندفع مستحثا الخطى ، فقلبه يزداد فرحا كلما اقترب من المكان الذي يحبه ، والذي أفنى حصيلة عمره كله فيه ، شجرات المشمش تصفر ثمارها ، وتتمايل وريقاتها في نسمة طرية و الجدول المزقزق جذل بطبيعة مفعمة بالشباب والحياة ، وعصافير محناة الريش تشدو مبتهجة متبادلة أماكنها .

 

     هو الرجل ذو قلب عطوف ملئ بالحنان على كل المخلوقات ، وخاصة على أسرته ، ولذا فهو يجمع المال من أجلها بل انه لا يترك فرصة تفوت  . . . صحيح أنه يقتر على زوجه وطفله ، ويقسو أحيانا ، حتى يكرر النوع من الطعام لمدة أسبوع ، ولكنه جازم الاعتقاد أن ذلك لمصلحة مستقبل بنيه  . . . صحيح أنه لا يشتري لابنه إلا من الثياب المستعملة ، لكن ما الفرق؟  . . أليست متينة وجميلة؟!  . . إذن ما فائدة دفع المبالغ الإضافية؟  . . أليس من الأفضل أن يجمع المال من أجل بنيه؟  . .

     وعاد يستجمع ذكرياته وهو حديث السن محروم من أبسط الأمور حتى من كتب المدرسة ، الذي كان عليه - كما يرى أبوه- أن يستعيرها من زملائه ويوفر ثمنها .  كان أبوه رجلا تعيسا محتقرا لأن جيبه كانت خاوية ، ولذا عليه أن لا ينقل الحال من أبيه إلى ابنه ، وعليه أن يحفظ المال طالما أن لديه طريقة ما لحفظه .

 

      وهكذا ناضل ضد شراهة الحياة لابتلاع سعادة الناس ، وكان عليه أن يحدد سبيلا مدروسا مضمونا من أجل المستقبل المجهول ، فخير لابنه أن يلبس الثياب القديمة وأن يبيت على الطوى أحيانا ، من أن يستفيق كبيرا فيجد نفسه فقيرا مبتذلا ، وهو يعلم أن ابنه عندما يشب سيخفض له جناحيه إجلالا وإكبارا لما كرسه له من القادم من أيامه .

 

     بدا مرتاحا لقناعاته ، وراح يذكر الخطوات العملية التي اتخذها حيث بيت في نفسه منذ خمس سنوات أمرا ، وصار يحول كل وافره الى قطع ذهبية ، فالذهب يحفظ قيمته بل ويزداد ، و لا يبلى ، ولا تقرضه الفئران ولا تتلفه السوائل ويعيش أمد الزمان  . . . الذهب الذي تهفو إليه أفئدة الناس في كل مكان   . . . ثم كان عليه أن يحفظه في مكان أمين . البيت؟  . . لا ، لآن زوجه لن تكون راضية بعيش الكفاف والذهب خبئ في مأواها فليكن في بستانه ، في الكهف الضيق الشمالي .

 

     اهتم بالحقل أكثر ، وسد كل ثغرة في السور ، وبنى غرفة صغيرة من الاسمنت تكون امتدادا مغلقا لفوهة الكهف ، واحتفظ بمفتاح الغرفة و السور ، ولم يسمح لعائلته بزيارة المكان إلا بوجوده  . . . ولقد تساءلت المرأة كثيرا عن مدى أهمية ذلك المكان ، لكنه كان دائما صامتا كالقبر .

 

     فتح بوابة السور هانئا ، كقاض يدخل محكمة ، أغلقها خلفه وأحكم المزلاج ، توقف رافعا بصره الى أغصان المشمش العليا التي يؤرجحها النسيم ، ثم خطى خطواته المألوفة باتجاه الغرفة .

 

     أخرج المفتاح سعيدا راضيا ، وأدخله في ثقبه وأداره مرتين الى اليمين ، فانفتح الباب ، ودلف الى الداخل ، ثم أغلق الباب خلفه وأقفله من الداخل  . . . ثم أشعل سراجا زيتيا لتقوية النور الضعيف الداخل من طاقة ضيقة حرص على أن تكون المتنفس الوحيد .  كان هباب السراج يتصاعد الى فتحات أنفه وهو يتجه نحو صدر الحجرة .

  كانت عيناه الزرقاوان تلمعان في الظلام وأنفاسه بطيئة حرى  ، مثل   هر يقظ جائع ، وأنفاسه بطيئة حرى  ، مثل سعادته وأماله العريضة .

      جثا على ركبتيه وعبر باب المغارة حاملا سراجه ، وانزلق داخلها  ، ثم انتصب وخطا خطوات قليلة الى صدر الجانب الأيسر  ، تحت تلك الصخرة يقبع صندوقه الغالي الذي وضع فيه كل جهوده وآماله التي ستبعث حياة نابضة بالرفاء في مستقبل الأيام .  تلك النقطة المظلمة ستضيء قلبه وقلب أبنائه   . . . سيعرف أبناؤه أنه ماقتر عليهم إلا لصالحهم وستعرف زوجه أنه يحبها صادق الحب  . . . سيخرج المال كله في يوم من الأيام  ، وسيبني قصرا وسيشتري كل ما يشتهونه  . .  . سيسعد أبناؤه ، وهاقد مضت خمس سنوات وقد امتلأ صندوقه بالليرات  . . . سيكر الزمان هاربا لكن صندوقه سيمتلئ أكثر ويصبح صندوق السعادة والغنى .

 

     وضع السراج الواني على حجر  ، وحبس الليرات الذهبية الثلاث بين أصابعه ثم عاد وأطلقها داخل جيبه العميقة ، جهد وهو يرفع الصخرة الثقيلة ، وما أن توصل الى فوهة الصندوق حتى أمسك بليراته وراح يسقطها واحدة اثر أخرى منصتا الى صوت وقعها العذب ، عاد وأطبق الصخرة في مكانها ، وهو يضحك من نفسه بعد أن خاف ظله الأسود المنحني على جدار الكهف مثل شبح يرتكب جريمة .

 

     في اللحظة التي انتصب فيها شعر بلدغة في ساقه رقصت لها أوصاله كلها ، فضربت يده بحركة انعكاسية جسما كان ملتصقا مكان اللدغة ، لم تتبينه العين ، وعندما قرب السراج هاله أن يرى بقعة حمراء مثل ليرة ذهبية تحيط بها هالة زرقاء بدأت تتورم وتتسع .

 

     كان عليه أن يتصرف بسرعة و إلا فان حتفه قريب لا محالة انزلق من باب الكهف لاهثا واندفع الى باب الغرفة يفتحه لكن المفتاح كان قد  اختفى!  . . .

 

      بحث الغرفة في كل زاوية دون جدوى . وماعاد يذكر فيما إذا ترك المفتاح بالباب أم وضعه في الغرفة ، أم أدخله معه الى الكهف  . . .لف ودار  ، ثم عاد الى الكهف ثانية ، وراح يفتش مستعينا بالسراج الذي لم يعد يغنيه ، فقد غشيت عينيه طبقة تتعرج فيها أشكال الأشياء  . . . وثابر على البحث ، لكنه وقد شعر بإعياء وغثيان ودوار ، قرر أن يعود ليقذف بالباب بعيدا  . . .

 

     زحف ثانية ، ثم انتصب خلف الباب استجمع قوته وقذف بجسمه إلا أن الباب كان متينا ، فلعن الساعة التي أصر فيها على النجار كي يظهر مهارته في باب قوي ، وتمنى لو أن النجار قد غشه كل الغش .

 

سقط على الأرض ، ولما أيقن أن قوته لم تعد تكفي سيطر عليه فزعه ، وشعر بساقه اليسرى فيها الشلل والموت يزحف فيها رويدا رويدا   . . .

 

      مد ساعده وهو يكاد أن يفقد سيطرته عليه ، وحمل السراج ووضعه تحت باب الخشب ، فان لم تهشمه قوة الرجل فستبيده قوة النار  . . وما إن استقر السراج تحت الباب ، حتى هدأ الرجل و اطمأن ، ونفخ نفخة فيها نوع من الأمل المشبع بشتى  الأحاسيس ، كانت هي القاضية ، وبقي الرجل في ظلام .

 

     راح يهذي ، يصرخ ، يريد القوة لتحطيم الباب ، يريد المفتاح ، المفتاح الذي ضاع في أحلك الأوقات  . . .

 

      فقد الرجل شهرا كاملا ، ثم لم تلبث زوجته وقد فارقها الصبر أن حملت فأسا يلحق بها طفلها ، وهشمت باب البستان ، وتركته ملعبا للريح ، ثم اتجهت نحو باب الغرفة وراحت تضرب فيه  . . ثم توقفت  . . . فقد شمت رائحة الموت  . . . زعقت وارتاع طفلها وصرخ   . . . ولم تمض لحظات حتى تجمع حولها بعض الجيرة وعابري السبيل  . . . ثم تابعت تهشم الباب بفأسها الى أن ألقته أيضا وعبرت الغرفة يتبعها الآخرون  . . .

 

     تعرى الظلام وبدا مدخل الكهف عفنا و العنكبوت يخيط على شقوقه ، أشعلت عيدان الثقاب وتسرب الرجال المسنون الى الداخل .

 

     كانت الأقوال التي تسري في البلدة تقول:

·       انه كان يضم الصخرة راقدا عليها وديدان صغيرة تأكل في جسده..

 وجاء في ضبط الشرطة:

·       أما الموجودات التي وجدت في الصندوق فكانت أربعة آلاف ليرة ذهبية ومفتاح حديدي واحد  . . .

 

                        *                   *                    *

 

البداية    صفحة الآداب    قبل أربعين عاماً