نيقوسيا 25 /6/2009
الجائزة
عندما يأتي لك كلبك بصيد ينتظر الجائزة ، وعندما يعمل لديك عامل فإنه لايقبل بغير الجائزة ، وعندما يصرف المرشح لمنصبٍ الأموالَ والجهود فإنما ينتظر الجائزة ، وعندما تدفع ثمن ورقة يانصيب فإنما تنتظر الجائزة ..
وأنا مثلك ، ومثل غيرك .. أنتظر .. وكلنا ننتظر .. وننتظر دائماً ..
لكنني هذه المرة لم أنتظر ، ولم أتوقع ولم أفكر بالجائزة ..
إليك صديقي ما حدث معي ، ذات يوم قبل خمسة وثلاثين عاماً ، وفي مكان ما ضائع فيما حول المدن ..
كنا وقتها شباباً يسوقنا أمل الأيام القادمة ، وكنا وقتها مقتنعين بأننا سنتفوق على كل من راح وأننا سنخرق الحجب التي لم يستطع أحد قبلنا خرقها ، وأننا سنجعل العالم يخضع لقوانيننا .. فما أن انتهينا من الدراسة الجامعية وقررنا خوض غمار أحجيات الحياة ، رأينا عندها أننا أصبحنا رجالاً مقتدرين قادرين على إقناع أي من الآخرين باللحاق بركب مانفكر به أو نراه ، كما أننا قادرون على أن نصعّر خدنا ، فتلتحق بنا أية فتاة حالمة ترانا ولاترى سوانا ..
كان صديقي جديداً في عمله الوظيفي حيث اقتضى عمله أن تكون إحدى السيارات الرسمية المنهوكة مطية له .. بينما كانت وظيفتي في مجال التربية والتعليم ، ولا سيارة لي ولا دراجة ولا سلطة من أي نوع إلا على تلامذتي الذين يلتقطون بواسطتي بعضاً من اللغة الأجنبية التي أعلمها لهم ..
تكون لدينا الرغبة ، عندما نسير على طريق اللغة الأجنبية وآدابها باستخدام هذه اللغة لتحسينها وللبرهنة على أننا نتفوق على غيرنا بمعرفة تلك اللغة .. وصديقي يعرف هذا فاستخدمني وضمن إرادتي للتعرف على فتاة وشاب أجنبيين جاءا سائحين على طريقة مايسمونها الأوتوستوب ، عن طريق التنقل في مراكب العابرين ووسائل تنقلاتهم وبالمجان ..
كان شاباً حيوياً رقيق الجسم وكانت فتاة ممتلئة في مثل سننا تقريباً ..
اقترحت عليهما ، ومن خلال ترجمة مايريده صديقي ، أن نأخذهما في جولة يريان فيها المعالم فيما هو خارج المدينة ، ونحن نعلم أنهما يرغبان برؤية المعالم الأثرية ، فهما متعبان من رؤية الأبنية الحديثة والسيارات والمدن ، فاستجابا على الفور .. وكانت فرحة صديقي بادية على وجهه ، وكنت أنا أشعر بالقلق ..
تحدثت مع الشاب السائح أولاً أسأله عما رأى من معالم بلدي ، وكيف كان باستطاعته أن يقارن ذلك بالمعالم الأخرى فكان في ذلك إيجابياً بحق مارآه في بلدي ، ولقد سرني ذلك فأنا أريد لوطني أن يكون قبل كل الأوطان وأهم تلك الأوطان ...
جلست إلى جانب صديقي في المقعدين الأماميين ، هو الذي يقود العربة ، وأنا ألفّ عنقي نصف لفة لأتحدث مع الشاب الغريب.. لم أنتظر كثيراً ، حتى لكزني صديقي قائلاً بلهجة فيها التوجيه:
- تحدث مع الفتاة !..
لم يكن من الصعب على نباهتي نقل الحديث إليها ، فقد تبين أن لغتها الأجنبية التي أتحدث بها ، وهي غير لغتهما الأم ، أفضل من تلك الاتي يعرفها الشاب .. وهكذا وخلال دقائق نشأت مودة بيننا ، أو هكذا ظننت ..
لكزني صديقي ثانية وقال لي بنبرة الواثق أن أعرض عليها ممارسة المتعة بينه وبينها ، فرفضت ، لكنه ألح عليّ أن أفعل ذلك فهو مؤمن أن كل الفتيات الأجنبيات يرغبن بهذا ، وليس لديهن في هذا الأمر تهيّب أو استهجان ، وأنني أنا الذي لا أعرف هذا وأنني جبان ..
عندما توقفت السيارة لشراء شيء ثانوي ، أشار للفتاة كي تجلس مكاني في الكرسي الأمامي بجانبه ، وبذا جلست أنا إلى جانب الشاب في المقعد الخلفي ، وكان هذا التبديل بالفعل لايعني شيئاً بالنسبة للشاب والفتاة ، فهو أمر عادي ، وقد يعني بالفعل تكريماً للأنثى كما ترى ذلك شعوبهم ..
خرجنا أخيراً من المناطق السكنية باتجاه القرى الصغيرة المترامية ، وباتجاه رئيسي نحو أحد المعالم الأثرية القائمة والهامة .. وهنا وضع صديقي يده على يد الفتاة ضاغطاً عليها معبراً عن رغبته فيها ، فانسحبت اليد بهدوء ورفق دون أن تظهر انزعاجاً واضحاً .. وربما اعتبر صديقي ذلك علامة رضاء مبدئية ..
وضعني هذا المشهد الصغير على النار ، فأنا قد وافقت على هذه الرحلة وشاركت فيها من أجل أن أظهر للآخرين معالم بلدي وكرم ضيافتي وأفتخر بهما ، وهذا ما كنا قد تعلمناه في المدرسة والبيت .. لم تمض دقيقة حتى عاد صديقي ليضع يده على يدها ثانية ، فسحبت يدها هذه المرة بإصرار أكبر ، لفت نظر الشاب الجالس بجانبي .. غير أن وجهه ماعاد يظهر الارتياح الذي أبداه في البداية ، ولكن الأمور بقيت طبيعية حتى تلك اللحظات .. ولكن ما أن أعادها للمرة الثالثة حتى نبهته إلى أنني لا أرى داعياً لذلك ، وأن مثل هذه العلاقة التي يبتغيها لا تأتي عن طريق كهذا أبداً ، بل تأتي بالقناعة ، والأهم بالشعور بالأمان ، وعبر الحب ..
قال صديقي معقباً على موقفي: أنت جبان ، لا دخل لك .. كلهن سواء ، وهذا صديقها يفعل ذلك دائماً معها فلماذا أنا لا ..؟!
أحس الشابان بالموقفين المتعارضين بيننا ، وبقيا يراقبان ، والخوف يرتسم على وجهيهما ..
أضحيت في وضع لا أقتنع به ولا يمكن أن أستمر فيه ، إذ أن اعتراضي لا يقوم على مبدأ تحريم ممارسة كهذه ، لو أنها أبدت رضاءها بدون خوف ، لكن والحال الذي نحن فيه ، وقناعة صديقي الجانحة ، اقتضى مني بعض الحنكة لمداورة الأمور ، لأن صديقي بتصميمه هذا وضمن تلك الظروف قد يجعل الأمور تتطور دراماتيكياً ، وربما تفضي إلى جريمة .. ولم يكن أمامي الكثير من الحلول ..
قلت لصديقي : دع الأمر لي ، فهي بالتأكيد لن توافق بهذه الطريقة ، وإذا رفضت فصديقها سيتدخل ، ولو استطعت أن أقنعها برغبتك ، فهي التي ستمنع صديقه من التدخل .. ثم قلت له أن يوقف السيارة لأمر ما ففعل .. وكما توقعت ، فقد كانت فرصة لكي ينتقل الشاب إلى جانبه ، وتنتقل هي إلى جانبي ..
ارتاحت الفتاة في معالم وجهها جزئياً ونظرت في عيني وكأنها كانت تقول: أهكذا تعاملون الضيف في بلادكم ؟! .... ولكنها كانت مصممة على اكتشاف مابداخلي ، فيما إذا كنت أوافق صديقي على مايريد ، أو أننا معاً على استعداد للسير في اللعبة إلى نهايتها ، أو ، وهذا هو بالفعل ماكانت ترجوه ، أن أكون صمام الأمان بالنسبة لها .. فهما غريبان فقيران في بلاد غريبة ! ..
أخذت أحدث صديقي باللغة التي يفهمها ، وأحدثها حديث الطمأنينة ، إنه لا هدف لصديقي إلا هذا اللمس وحسب ، وهو معروف بذلك .. وهكذا هدأت النفوس نسبياً ..
بعد زيارة المعلم الأثري وفرحتهم به والتقاط الصور التذكارية .. سرنا في طريق العودة باتجاه المدينة الكبيرة التي انطلقنا منها ..
أحس صديقي بأنني لا أنجح في مهمتي ، فما أن وصلنا إلى أرض فلاة حتى رأيته يتوقف فجأة ، ويخرج بساطاً يمده خلف السيارة ليحجب نظر عابر الطريق .. ثم يطلب منا أن نجلس بعض الوقت ، فالجو جميل ويستحق أن نستمتع بالطبيعة في ساعتنا تلك .. إنني في الحقيقة خفت اللوم في عيون صديقي كما خفت أن تكون تلك الوقفة الجانبية مشروعاً لتنفيذ ما في جنون صديقي ..
لكن الوضع كان يقتضي المسايرة ، فما أن جلسنا على البساط وأخذت أوجه الحديث باتجاه المثل العليا والتي نتمتع بها نحن أبناء هذه البلاد حتى رأيت صديقي يتبرم من كلامي ثم يندفع ليمسك بها ويحاول الوصول لشفتيها وصدرها .. فأضحت المهمة صعبة ، إذ كرهت نفسي لحظتها وكرهت كل المثل الكاذبة التي نتشدق بها ولعنت نفسي ولعنت صديقي .. أصبح الشاب صديقها متوثباً ، لكنه لم يبادر عملياً للتحرك الذي تصورته قد يكون ماحقاً .. لم يتحرك فيما اعتقدت لأسباب ثلاثة ، أولها أنه ربما آمن بأن الفتاة تستطيع أن تتصرف وحيدة وتضع حداً لهذا الموقف ، وثانيها ، أن الإقدام على حركة منه ستقطع الطريق على أي تفاهم قد يتم ، في هذه الأرض المنقطعة ، حيث لا يعرف حتى في اجاهاته .. وثالثها أنه ربما كان لديه أمل في أن موقفي قد يختلف عن صديقي ..
وبالفعل ، فقد كانت نظرة الشاب صائبة ، فبتدخل هادئ منى في محاولة لإقناعه ، أن الفتاة ربما استجابت ، لكنها يجب أن تشعر بالأمان حتى تستجيب بالكامل ..وقد ساعد على ذلك الصد الحقيقي والمتزن بدون افتعال وانفعال من الفتاة ، ونظراتنا الدؤوبة التي أخفضت توتره وأعادت له بعض التوازن ..
وهكذا انطلقنا من جديد باتجاه المدينة الكبيرة وكل منا يرى الحال على طريقته .. فصديقي مازال يحلم برغباته ، وصديقها كان يحلم بالوصول بالسلامة ، وأنا كنت أحلم بالعودة مجدداً إلى فراشي وأنام دون شعور بارتكاب إثم .. أما هي فقد ظننت أن أحلامها كانت الوصول إلى دار الأما ن وحسب ، لكن ..
لكن ومع دخولنا إلى أحياء المدينة الصاخبة بحركة الناس ، وجدتها تستدير نحوي ، وأمام صديقي وأمام صديقها وأمام كل الناس ، تلصق شفتيها بشفتي وتغور أكثر ما تستطيعه ، معلنة أن هذا هو الشخص الذي يستحق جائزة آتية من القلب ..
غابا في الزحمة .. ثم غابت السنين الطويلة ..
لكن طعم تلك القبلة العميق لم يغب عن مشاعري أبداً ..
*****