عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

"قلوب أكلها العفن

تهدم جدار المـوت" 

نيقوسيا 24/2/‏1998

الحفّارون 

لم أحدَث أحداً فيما يعتمل في داخلي طيلة أربعين عاماً..

كان هاجسي، خلال فترة المدرسة الابتدائية أن أصبح معلماً، لأدرس كيف تنشأ جذور الأشياء، أو أن أصبح صاحب مزرعة أكتب على جذوع الأشجار أشعار محفوظات المدرسة، أو أن أصبح حلاقاً مثل حلاق القرية ينتف شعر جدي بخيطه الحريري..

لكنني لم أصبح أياً من هؤلاء ولا غيرهم..

قال مدرس التاريخ، وكنت أنا وقتها في الثانية عشرة، إن هذه الأرض شهدت غزوات وتقلباتٍ تاريخية فهاجمتها وسكنتها وحفرت في أرضها وسكنت قبورها كل الأجناس والحضارات، وأصحاب السيوف والرماح وشياظ اللهب.. وقال مدرس التاريخ إن هذه الأرض أنبتت من أرحامها جنداً  لكَنْس ظهرها من كل أولئك الغازين..

ولكنني بدلاً من أصبح معلماً أو حلاقاً أو صاحب مزرعة أصبحت حفاراً للقبور.. 

*           *              *

يوم أن ولدتني أمي، كما قالت أمي، نبشتُ في ثديها، وفي وجهي، فأدميتهما، وعندما تطاولت قواطعي، وقد تطاولت قبل أوانها، قضمت حلمة ثدي أمي حتى سال الدم.. وكانت تلك آخر مرة سمحوا لي بها أن أقترب من صدرها بنهم الذئب..

كنت أبحث عن الطعام في زوايا الغرفة الطينية الكبيرة، فأجد في زواياها وفي فجواتها الجدارية بعض الطعام الملفوف المخبأ لحين الحاجة فألتهمه وأبتلعه بعد قضمة واحدة..

قالوا إنني جراد..

ثم اتهموني بأنني جرذ..

ولما كبرت قليلاً قالوا إنني ضبع..

ثم همسوا بكلمات لم أسمعها.. همسوا كثيراً لدرجة أنني تخيلتهم يقولون إنني قوارض القرية كلها… 

*           *              *

أرسلتني أمي منذ ثلاثين عاماً، وكانت هي أمي وأبي وأخي وأختي، أرسلتني أعمل عند نجار الحارة.. وقد كرهت نجار الحارة عندما كان يهتم بقص الخشب وتلميعه.. ولكنني أحببته عندما كان يدخل الخشب الذكر في الأنثى.. ويسميها العاشق والمعشوق..

طردني بعد ذلك لأنني في غيابه ذات يوم أدخلت كل الخشب في كل الخشب، وظنّي أنني أصنع قاعدة كرسي ذات شكلٍ فلكي غريب، مثل كرسي نجوم الشمال المقلوب.. كما قال مدرس الجغرافيا ذات مرة..

ثم أرسلتني أمي بعدها إلى الحداد.. وكان علي أن أنفخ في الكير طيلة اليوم.. أعجبتني في البداية، حيث كنت أحس بالهواء يندفع داخل الفحم فيثير الدخان ويقلب الفحم الأسود جمراً أحمر..ولكنني ذات مرة في لحظة خاطفة وفي غفلة من حداد المنطقة سحبت مدفع الهواء، وأدخلت يدي بدلاً منه مستطلعاً كيف تتم عملية التحويل، فأحرقت يدي..

استشارتني أمي بعدها فيما إذا كنت أرغب في عمل معين، فانتصبت، ورحت وجئت، وسكبت على جسمي سطل ماء كانت أمي قد حملته من منبع الساقية،

- لا وفقك الله!.. كيف تهدر الماء الذي شقيت حتى أحضرته!؟..

- الجو حار!..

- أنت لا شك حمار..!.. قل لي ماذا تريد أن تشتغل؟!..

- أنا لا أريد لا نجارك ولا حدادك.. ربما يستهويني الحلاق وهو يقتلع شعرات جدي من وجهه فيتألق محمراً.. وربما ينبثق بعض رذاذ الدم..

- لا أريدك أن تقترب من شخصٍ وفي يدك مقص فربما تغرسه في صدره لترى ما في جوفه.. ابتعد عن خلقتي.. اذهب واعمل ما تريد!..

عندها أحسست بالسعادة..

أمسكت بالمعول ورحت أضرب بطن الأرض، وأقتلع النبتات الصغيرة من جذورها..

صرخت أمي في وجهي..

- يا ويلك من الله .. اغرب عن وجهي!..

وعندما خرجت من أرض الدار.. ركضتُ، واتجهتُ دون أن أدري، ربما برغبةٍ دفينة، أو غير موجودة.. اتجهت نحو قبور القرية.. وهناك وجدت العم (أبا خرزة)، وابنته سلمى، قادمان باتجاه بيتهما..

قال العم أبو خرزة:

- هيه يا ولد، هل تعمل معي؟..

وعملت معه منذ ثلاثين عاماً..

وأظنني فعلت ذلك لسببين:

فالأول هو لأن ضربة المعول في التراب تسحرني، وأنا أحب الغوص في الأعماق..

والثاني لأن سلمى كانت ذات حوض واسع! 

*           *              *

- اسكبي الماء يا سلمى!..

أردت أن أزيل الأوساخ عن يدي بعد يوم شاق حفرنا فيه، أبو خرزة وأنا، قبراً جديداً لرجل غني أوصى عليه وهو على فراش الموت.. وأردت أن تسكب الماء سلمى فأرى الشق العجيب في صدرها يتأرجح..

ورغم أن سلمى كانت فتاة قذرة إلى حد تفشي رائحة جسدها في كل ممر تسري به، فإنني كنت شغوفاً بوجودها قربنا ونحن نطعن الأرض وننبش فيها أجوافاً تحتضن الأجساد في طريق التعفن.. كنت شغوفاً بها تحضر الطعام والماء، وتنثر بقايا عظام الجدود في الأنحاء..

سلمى كانت جثة متحركة.. تدخل في حفرة، وتخرج منها، وهي مفتوحة العينين والأذنين مغلقة الدماغ.. خاصة عندما تنزوي تحت ظل شجرة تزدرد الأكل، أو تحك أي جانب من جسدها، ثم تلجأ إلى النوم والشخير.. 

 *          *              *

مات أبو خرزة..

دفنته أنا وسلمى..

ماتت أمي،

لم أدفنها أنا، فقد أوصتهم ألا يفعلوا ذلك.. بل أوصتهم أن تدفن بعيداً في بلدة أخرى بجانب جدودها..

مات نصف سكان القرية، حملناهم على السلالم في موسم الريح الأصفر والحروب.. في البداية ونحن نرتل الشعائر الدينية، ثم بصمت، ثم بتوجع من كثرة الأحمال..

وجاء وقت هدأت فيه الدنيا.

صمت، صمت، صمت حتى قيعان الأنفس، كل شيء باهت بلا لون، وبلا طعم، بل برائحة اليباس والضرع الجلدي الجاف.. وقد أصبحت سلمى جيفة متنقلة..

- أحضري يا سلمى الطعام!..

- لا يوجد طعام سوى بصلة!..

- أحضري يا سلمى الماء!.. 

- لا يوجد ماء سوى بول البقرة الوحيدة الباقية في القرية..

- فلتحضري ورق بعض الأشجار اليابسة نمضغها بلذة وعلى مهل!.. 

*           *              *

آن الأوان لأحفر تلك التلة…

منذ صغري وأنا أرى تلك التلة ذات شكل مكور غريب وكأنها صنع بشر ما وليست صنع الطبيعة.. والآن وقد زالت عنها الأشجار، وحفرتها الضباع هنا وهناك.. الضباع تبحث عن الجيف، وخاصة في أوقات الجوع.. هذه التلة الغريبة هي من أجل معولي..

- سلمى، لا أحد يعرف!..

نظرت نحوي بعينين صغيرتين ضمن جوف جفني بلا رموش..

- تعالي نحفر هنا، كان حلمي دوماً أن نحفر هنا، وكان يجب أن نفعل ذلك منذ سنوات طويلة.. هذه التلة فيها تاريخ أولئك الذين مروا على هذه البلاد وتركوا كنوزهم فيها.. صحيح أن مدرس التاريخ لم يذكر الكنوز، لكنه ذكر أنهم مروا فيها.. كُثُرٌ من مروا.. فأخذت هذه التلة من أجسادهم وحليهم وكنوزهم وأنفاسهم.. أظن في هذه التلة ما يجعل من هذه البلدة أغنى البلدان..

ولماذا البلدة؟..

نحن سنصبح من أغنى الأغنياء، فتصبح لدينا أراضي وآلات تحفرها حتى الجذور، فنرى كيف تمتص الجذور بقايا الديدان في أجواف الأرض..

أخذت معولي وأخذت أنقر، ثم أحفر، ثم أغور في جانب التلة.. وسلمى تفتح فمها.. ثم تمسحه بطرف الكم الندي بتراب التلة المشبع بروائح القبور منذ آلاف السنين.. 

*           *              *

مرت أيام..

البلدة في صمت، سلمى بجانبي، تقتلع الشعرات المتلبدة بالقذارة.. ومعولي يضرب في تراب صلب وهش، في حجرٍ وفي حفرة..

وتمر الأيام..

كلما انفتح لنا جوف، قلنا: قد وصلنا..

ولكنه قادنا إلى جوف آخر..

وكلما دخلت خياشيمنا روائح جديدة، قلنا إنها روائح جسد الملك الذي مات معطراً ودفنت إلى جانبه كنوز الذهب..!..

أحسسنا ، وبمرور الزمن العابر مع إيقاع طرقات معولي، أن التلة التي كانت قائمة أمامنا منذ أن ولدنا، وأمام آبائِنا منذ أن ولدوا، كانت قائمة تخترقها جذوع الأشجار، أحسسنا أنها ليست إلا كتلة لجدران ترابية هرمة مترامية على بعضها.. وأن فيها بقايا كلمات مدرس التاريخ والجغرافيا مخبأة في زواياها، ونحن  نبحث عن كلمات المدرسين في زواريب الجرذان، والديدان والعفاريت..

سلمى، تحدثت أخيراً، رغم أنها كانت المرة الأولى التي أسمعها تتحدث في جمل طويلة نسبياً..

- لماذا تفرك التراب بيديك؟ وتحفر كل هذه القبور؟..

.. لقد انتهت الناس وما حفرناه من قبور يكفي لكل الناس.. لعلك تحفر لنا أيضاً.. فلماذا كل هذا..

نظرت إلى سلمى.. ورأيت فيها جثة جديدة وسألت نفسي فيما لو كان علي أن أدفنها ففي أية زاوية أفعل..!..

- اسكتي.. وانقلي هذا التراب، وخلصي عظمة الساق هذه من أرضها، والقها خارجاً.. فلعل ضبعاً ما يستفيد منها.. 

*           *              *

تابعت الحفر..

كنت أرى أمامي اليوم الذي سأصرخ فيه بصوت يشبه الواوي العجوز: إنني وجدت كنز الملك..!..

ولكنني كنت أسأل نفسي: ماذا سأفعل بتلك الأموال لو وجدتها..

- لو وجدتها؟!.. ولكنني سأجدها.. أما ما سأفعل بها، بالتأكيد سأشتري مزرعة.. بالتأكيد سأشتري الحفارات.. لأحفر في الأعماق…؟ وبعد ذلك؟..

وبعد ذلك؟..

أخذ السؤال يلح حتى عمق أعماقي، وأنا في قلب التلة القديمة أفتت عوائق الأبواب الداخلية العتيقة بين الحجرات، أقتل جرذاً هنا وكتلاً سوداء متحركة هناك.. وعالم من السواد القهري بلا معنى يكبت كل شيء في إطارٍ ظلامي ورائحة بعفن شرور الإنسان منذ آدم..

وبعد ذلك؟..

لابد أن هناك عالماً غير هذا العالم.. لابد أن الإنسان يصنع قبره بيده ويسكنه، سجناً وظلاماً وموتاً وتحللاً..

وبعد ذلك؟.. عندما تقبض على كنز الملك ماذا تفعل؟..

ماذا أفعل؟!..

- صحيح!.. ماذا أفعل؟.. سلمى ، أيتها الحمقاء الغبية الجرداء، ماذا أفعل؟..

- ماذا تفعل؟.. افعل ما تفعل.. فنحن جرذان تنبش من الشهيق الأول حتى الزفير الأخير!..

- لا، يا سلمى!.. أنت ستصبحين الملكة وأنا سأصبح الملك، أنا لن أنبش الأرض بعدها.. أنا سأزرعها شجراً واخضراراً، أنا سأحب الطيور في السماء، أنا سأطير مع الطيور على أغصان الشجر، وسينبت لك رموش، وستغتسلين في ماء النهر الصافي، وستسبحين في بحر من السلسبيل.. نحن يا سلمى عشنا جرذاناً.. ولكننا لن نموت جرذاناً..

نحن سنبقى!..

نحن سنبقى في غصون الزيتون وفي جذوع النخيل، وسنثمر ورداً وقبلاً..

تعالي يا سلمى ساعديني، نهدم هذا الحائط.. فلا بد أنه حائط الكنز.. فليس هناك حائط آخر يبدو مستعداً للهدم..

لم تعد هذه التلة مجرد قبور.. أحس بها رائحة جديدة لم أعهدها.. رائحة القلاع.. رائحة مجد زائل، رائحة تاريخ تمت كتابته بريشة الشعر والحب والمجد والدواء..

تعالي..

فهذه النهاية هي أمامي..

إما أن ينهار السقف بكليته وتنتهي الحكاية.. وأما أن نجد الكنز الذي طال انتظارنا إليه..

تحركت سلمى.. تحركنا معاً، كتلتين، من روائح الجرذان والموت.. تحركنا باتجاه الجدار.. فهل سينهار الضوء الشحيح الباقي؟ وهل سيعم الظلام إلى الأبد..؟..

شعلة القنديل الباقية، ضعيفة وانية تكفي دقائق.. وينتهي كل العالم..

توقف التاريخ هنا..

توقف الماضي والحاضر..

توقف الموت وتوقفت الحياة..

توقف كل شيء أمام الجدار..

تعالي يا سلمى ساعديني!..

كل قوى الحياة تجمعت واندفعت في جسدي وجسد سلمى..

واندفعنا.. نصطدم في بقايا الجدار الترابي..

وانهارت بقايا الجدار..

وسطع نور شمس ملأ المكان، فانغلقت أجفاننا، وأنفاسنا لاهثة، وسرت نسمة تحمل روائح عطرية جديدة للحياة..

ورويداً رويداً تفتحت أجفاننا وبانت لنا امتدادات الحقول، تنغرس فيها أشجار متعالية متهادية في أنسامٍ كخيالات العرائس، تحمل عطور الخلود.. هفهفات تدغدغ أذنينا، وترانيم إلهية تكتب في خلايانا ولادات جديدة..

وأنا  مأخوذ فيما رأيت في الإطلالة العارمة.. أمسكت بيد سلمى.. وإذا بها ناعمة، تحسستها.. فالتفت بغتةً لأراها..

وإذ بسلمى فتاة عذراء كأجمل ما حلمت وما رأيت، طالت أهدابها، تفتحت عيناها، امتد شعرها وغمر كتفيها، تورد خداها، أصبحت نظيفة كالمسيح، مبتسمة كبرعم متفتح، وسمعتها تقول بصوت أجمل من كل الموسيقى..

- أنتَ فتي وجميل أيها الأمل..

- وأنتِ أحلى من كل الطيور والزهور.. وصوتك أعذب الموسيقى.. اقتربتْ مني، اقتربتُ منها..

وتعانقنا

-=-=-=-=-=-=-

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm