عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

"لابد للعصافير

من أن تعاود الزقزقة"

الشوق إلى الحياة (الدخول)                             نيقوسيا 7/2/1998

اسمي شوقي، هدرت من عمري عمراً، لي زوج وأطفال أسعد بهم، أعمل في مكان لبيع مواد البناء من الصباح وحتى المساء، وأكسب قوت عيالي – كما يقولون- ولكن ما كان يقلقني دائماً بعدي عنهم الساعات الطويلة كل يوم.. فأشتاق لهم..

اسمي شوقي، وأنا جئت من قرية خلف سهولٍ واسعة ووراء تلة محدبة كلسية، وأبعد من قطعان الماشية التي تلتهمُ عشباً أخضراً متناثراً في الأنحاء وإن لم تجد تقضم بعض لحاء الأشجار قرب السواقي التي كثيراً ما تشتاق لسريان الماء فيها..

اسمي شوقي، وقد نسيت اسم مدرستي وأسماء المدرسين فيها، وأسماء الكثيرين من زملائي وفات على ذلك ربع قرن من الزمن البطيء السريع.. فاشتقت إلى تلك الأيام، ورحت أبحث في كتب أطفالي عن الدروس الأولى تقول: بابا، ماما…

اسمي شوقي وأنا أحاول كتابة شعرٍ أعرجٍ، متطاول البيوت متقاصرها، عن الوطن والحب والحقل والوالد والولد.. وكانت أبيات أشعاري الخارجة عن موازين الشعر أحلى لي من شعر البحتري والمتنبي والحمداني.. فكنت أحن إلى تلك الأشعار فأعود إليها قارئاً مبتسماً مشتاقاً…

اسمي شوقي، وأنا كتلة شوقٍ تحت القميص والسروال، تحت الجلد، داخل العظم.. شوقي محبوسٌ يبحث عن وعاء لينصب فيه ويتنفس الهواء من بين أشجار الغابة… 

*           *              *

قالوا في قبرص عملٌ، فيه كسب وتوفير حلال، يكفي ليملأ جيبي في أعوامٍ قليلةٍ، فذهبت.. وها أنا ذا في اليوم الأول أزور عملي، وأرى زملائي، واستعد لمباشرة الجهد الصباح التالي.. وأنا بعد الظهر أذهب إلى وكيل عقارات أتحدث وإياه عن سكنٍ أبيت فيه خلال ما هو آت من أيام.. سكنٍ لابن آدم يبحث عن مأوى يبيت فيه ويشتاق لأسرته وحقله ورائحة الأرض يوم المطر…

قلت للرجل:

- بيت بسيط نظيف لا أدفع فيه الكثير، فأنا ما جئت أبتغي المتعة لنفسي وعندي من ينتظرني هناك خلف مياه البحر…

جلس الرجل قرب مدخل بيته الحجري القديم، في مدينة نيقوسيا في منطقة (كايماكلي)، وإلى طاولة عتيقة بعمره، وأخذ يقلب دفتراً تآكلت حوافه…

- هناك بيت في غرب البلد واسع جميل وأجرته..

عندها رن جرس الهاتف، رأيته يضع القلم بين صفحات دفتره، يقلبه ثم ينسحب بجسده النحيف وسنواته الستين، وشعره الأبيض، مستجيباً لرنات الهاتف، يرفع السماعة ويلغط بلغته الوطنية التي لا أفهمها…

- "كالميرا كيريه، إيميه كالا، مالستا،.. سمفونو، تو سبيتي إنيه أومورفو"..

غابت عني كلماته، وقسمات وجهه، وهو ينغرس في حديث طويل يتفاعل فيه، بينما أنا أعود لأحمل أشواقي مجددةً.. حملت كرسياً، خرجت به إلى الشرفة الحجرية بأعمدتها من الصخر البحري المائل للأصفر، والتي أكلت منها الرياح وتركتها مثل عظام عجوز هشة تنتظر السقوط..

لكن ما شدني هو خلو المكان من البشر أمام الشرفة.. بيوت قديمة بنيت على نفس الطريقة، وتسامقت في الأرض الفارغة، وفوق أعشاب وطحالب، وبجانب سور حجري فيه كتل رمادية، تسامقت عشرة أشجار كينا وأشارت إلى كبد السماء بينما هي تتعالى نحو النجوم…

*           *              *

نسيني وكيل العقارات وهو منشغل في حديث يهمه حيث هناك المبيع أكبر والصيد أوفر، فأنا بالنسبة له زبون متعب بدون فائدة ذات شأن…

- "توسومِغالو، توسو فْيتنو.."…

وأنا نسيته، وتمنيت أن يستمر في مكالمته.. فمنظر شجرات الكينا المترافقة المتعالية المتحاضنة، القوية بجذوعها الهفهافة بأوراقها الصغيرة المتداخلة وأشعة الشمس الصباحية تنبثق ليرات فضية ذهبية لاتنتهي، يرافقها حفيف رقّاصٌ أملس يسري عازفاً أوتار الدماغ والعصب والعين وضربات القلب.. ذلك المنظر يخلب لبي…

ملايين الوريقات السيفية القصيرة المتداخلة في بعضها، والتي تركت مسارب للأنسام تجري وتعزف لحناً فردوسياً، ومسارب لذهبيات الشمس تتلألأ منكسرة متمازجةً منعكسة حتى عمق الخلايا داخل الخلايا في كل ذراتي…

وعلى هفهفة الحفيف، ورقّة الأشعة، ركبتْ أمواجٌ من زقزقة العصافير الصغيرة المتنوعة، وكأنها تتلاصق عارية في موسم تزاوج جماعي أبدي لا ينتهي في متعته، ولايموت في شوقه خالداً في الخلود…

وقالت الطبيعة من جذر العشب مروراً بالجذوع والأغصان والأوراق والنسمة والأضواء والزقزقات وريشات العصافير الدافئة المرتعشة.. قالت: هذا عرسي الدائم.. هذا أنا سعيدة بوجودي ونموّي وأبديتي.. فاسعدوا معي وكونوا مني..

جلست على الكرسي كمثل المأخوذ في حضرة الكون المقدس، أحسست بسلاميات قدمي ويدي ترتخي، بعضلات ساقي وعضدي ترتاح، وبكتفيَّ يتخامدان وبفكي يأخذ امتداده إلى أسفل، أرتخي في كل شيء، وكان جفناي يخفقان، يرتعشان بسعادة مثل أجنحة العصافير المرتعشة على الأغصان المرتعشة في مويجات الضوء والنسمات…

لم يبقَ في عيني سوى غابة أشجار الكينا ووريقاتها ولألاء أشعتها، ولم يبق في أذني سوى الحفيف مترافقاً مع موسيقا فردوسية، ولم يبق على جسدي سوى لمسات ناعمة…

أحسست بالخدر يسري في أوصالي وموجة عسل تطغى في كل الخلايا التي لدي يرافقها هواء نظيف نابع من فتحات في علياء شجرات الكينا.. فأشعر أن السعادة موجودة في داخلي في مكان ما مخبأة، ولما أحسّتْ بالنظافة والنغم الصوتي والضوئي الذي تجاوبت معه، خرجت من مخبئها وعمت كل الجوانب.. نام العقل، فتخطيته نحو العمق الأعلى.. وهناك كنت قريباً من روح تسبح في صفاء كصفاء تلك الوريقات بين موجات النسمة والأضواء والعصافير..

نسيت التعب والغثيان، نسيت كل الناس…

وعشت لحظات، هي السعادة المفقودة لدى كل الناس…….

لكن طلقات نارية من خلف السور، أطلقها جنود الحدود في جزيرة جميلة مجزأة قصمت داخلي.. طارت العصافير.. اهتز داخلي وخارجي، فخرجت إلى العالم من جديد، فقدت الروح التي اقتربت منها، وانتُزِعَ مني فردوس كنت فيه، فعدت أسمع حديث الوكيل العقاري على الهاتف:

- "إغو ذِن ثِللو بروميثيا فيليه مو.."…

نظرت إليه من خلال الباب الحجري متسائلاً.. فظل مبتسماً وكأن لا شيء يعنيه، أشار إليَّ بيديه، اعتذر من الرجل على الهاتف فيما يبدو وقال لي:

- لا تهتم، هذه هي عادة جنود الاحتلال.. أنت تعلم أننا على الحدود.. لاتهتم، إنها تدريبات يومية يعملونها... ثم التفت إلى سماعته، وضعها من جديد على اذنه وتابع حديثه. 

*           *              *

إنه لم يهتم كأن الأمر مألوف لديه.. لكنني أحسست بأنني انتُزِعت من عالم سعيد كنت أشتاق إليه فيما قبل.. من عالم ليس فيه سوى ريح الجنة وأضواء الجنة وعصافير الجنة.. أما الآن فالأنسام باهتة والشمس ترسل أشعة رخيصة، والعصافير ولت إلى مكان آخر.. وبقيت وحدي على الشرفة الحجرية بلا دفء ولا شوق ولا حب…

أرخيت رأسي على صدري حزيناً، وأردت أن أذرف دمعاً مالحاً ينساب من بين الجفنين على صفحة الخد إلى زاوية الفم ثم أسفل الذقن.. فأجد في انبثاقه ومروره وانهماره عزاء لا أسمعه من الآخرين.. وهذا العزاء أنا بشوق إليه..

لقد نسيت أن اسمي شوقي.. وأشتاق إلى كل شيء.. إلى الأولاد وأمهم، إلى رائحة الأرض وقت سقوط المطر،…

أشتاق إلى العودة لتوليف المشاعر والأعصاب على تنغيمات الطبيعة كما حدث قبل دقائق…

لماذا طلقات النار توقظ الشر الراقد، ولماذا يوقظ الشر أزيز الطلقات..؟…

لماذا يستعمل القوي لغة المدفع، ويستعمل الضعيف لغة الشعر؟.. لماذا لا يكون النزاع بالكلمات، والحرب بالشعر، والقتل بالأنسام، والإبادة بالحب؟؟.. وعندها يصبح النزاع والحرب والقتل حباً ويصبح الموت سعادة..!!..

صاحبي مازال يبيع البيت على الهاتف، وأنا مازلت واجماً، أرفع ناظري إلى قمة شجرات الكينا بحياء، ثم أسدلها بخجل من عارٍ أحس به.. ربما لا يحس به أحد غيري، لكنني أحس به لأن من أصدر الطلقات، فهربت العصافير وماتت الأنسام،  وانسدل الستار على لؤلؤ السماء، من أصدر الطلقات هذا هو شخص مثلي، وله اسم مثلي، يمشي على ساقين ويمسك السلاح باليدين..

صاحبي مازال يبيع على الهاتف، وأنا مازلت خجلاً، أحس بالعار والذل…

لكن، على البعد سمعت عصفوراً من شجرة تين بعيدة، يرسل الزقزقة الأولى وجلاً،.. كان يستطلع.. لحقته بضع زقزقات خائفة…

أحسست داخلي ينتعش، وأنا أرقب بالعين والسمع كيف تسترد الطبيعة حبها..

ورويداً رويداً تتنقل العصافير، تأخذ في بلورة أصواتها، تتنامى زقزقاتها، تحف بها الشكوك في البداية ثم لاتلبث أن تعود منفردة إلى أغصان شجرة الكينا، ثم تعود زرافات إلى فروع الشجرات.

تبدأ الفروع في الارتعاش، تبدأ الوريقات في الرقص على إيقاعات النسمة، تبدأ أشعة الشمس تتلألأ وتنعكس وتنغرس وتبدأ موسيقا الفردوس تنبلج من جديد..

ترتخي مفاصلي، يرتخي فكي، ترتاح عضلاتي، يدفق قلبي حبوراً في كل الذرات…

وترقص الدنيا من حولي…

وأرقص في داخلي.. فالدنيا الحقيقية الصافية هي في داخلي.. أحبها وتحبني…

أنسى صاحب على الهاتف…

وأنسى الطلقات تقتل فيّ كل شيء…

فوريقات شجرات الكينا السامقة تهفهف في داخلي، ولآلىء ضوء الشمس تنسكب برداً وسلاماً في خلاياي، والحفيف يتمسح في أدمتي.. وقلبي يمتزج في قبلات مع قلوب العصافير الممتلئة بالحب الأبدي…

-=-=-=-=-=-

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm