|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
"إننا في زمن نبيع فيه المصائب
للبسطاء بأثمان تعادل
شقاء أعمارهم."
نيقوسيا 2/8/1998
الديك العاري
مبلغ صغير في جيبي وأنا أبحث عن شق في هذا العالم أُسكِنُ فيه نفسي وأسرتي ومستقبل أيامي وأحلامي..
قالوا: إنك بمبالغك الصغيرة في جيبك لا تستطيع أن تشتري مكاناً تبيت فيه وأنت عائد من غربتك إلا عند تلك الرابية البعيدة لصق ذلك الوادي السيلي العتيق.. حيث يغور ماء الشتاء في الأعماق، فلا يصلح لحيوان أو شجر..
أخذت نظارتي وقلمي ورافقت صديقاً قديماً، انتزعته بإلحاحي من بين أوراقه، إلى ذلك النأي المستبعد من عجاج الشوارع وهدير السيارات، إلى تلك الأرض اليباب تنتصب فيها أبنية صغيرة وبناء ضخم أشبه بكتلة من الخراب..
قال لي صديقي القديم ابن وسط المدينة:
هذا بناء فيه تسعون شقة سكنية، تسكنها تسعون عائلة من العمال البسطاء الذين يأكلون البطاطا والزيتون في مواسم الأعياد، وفي غير ذلك يأكلون الخبز بالشاي ومرة واحدة في الأسبوع يأكلون رزاً مطبوخاً في مرق رؤوس الدجاج..
كان يوم سبت حيث نشرت كل ربة بيت ثياب أسرتها وثيابها الخارجية والداخلية على حبلٍ مدته ما بين طوبة سوداء وأخرى خارج نوافذها.. فكان شكل البناء مهرجاناً من الثياب الملونة وبقايا روائح الذكورة والأنوثة والطفولة معلقة بها.. فالصابون الذي كان يستعمل في التنظيف بحاجة إلى صابون آخر يقوم بتنظيفه..
أطلق صديقي سلاماً على رجل،
فرد الرجل بانطلاقة ترحيبية امتدادها لا ينتهي، وتخفي وراءها رغبة عارمة في معرفة سبب زيارتنا..
نحن أغراب.. والأغراب نادراً ما يأتون إلى هنا، فلا شيء يدفعهم أو يشدهم إلى زيارة كتلة هائلة من الاسمنت الأسود يقبع بين ثناياها خمسمائة نبضٍ بشري.. نبض الأطفال يعلو في ألعاب (البلالير) و(الأكعاب) والخشبات الطيارة.. ونبض النساء يعلو في متعة فضائح الجيران وقصص الفنانات في جهاز التلفزيون الوحيد في البناء كله عند أم سلمى..
ونبض الرجال يعلو عندما ينسحبون هاربين من سحق الحياة لهم بعد أيام الشقاء، فيفرغون كل همومهم بين أضلاع نسائهم في إفراغ حيواني مخدر..
تابعنا الرجل يسألنا عن بغيتنا..
فأجبته:
- نحن لا نبحث عن رجل معين، كل الذي نبغي هو شراء مسكن بسيط حسب المبلغ الذي لدينا، فقد قالوا إن في هذا البناء مساكن للبيع!.
ولم يتردد الرجل:
- أنا أبيعكم بيتي، شقتي في الطابق الثالث في وسط البناء وقلبه، وهي واسعة مأمونة، وسعرها جيد..
وجدنا الرجل، يسوقنا بإصرار لصعود الدرج الاسمنتي الرمادي..
- تفضلوا، تفضلوا، افتحي يا أم سالم عندنا ضيوف أعزاء، تفضلوا وخذوا أمكنتكم على هذه الكراسي فهي مريحة رغم كونها قديمة!..
جلسنا ونحن نقرقش (الباقسماط) المنزلي صنع أم سالم، وكأس الشاي الذي استخدم تفله للمرة الثانية.
- تشرفنا يا أبا سالم، كم تريد في هذا المكان الذي يحتاج لأموال إضافية لإتمامه وتبييضه..؟..
ويرد أبو سالم بثقة:
- لماذا صرف الإضافيات؟.. كل ساكني هذا البناء، تسعون شقة، لم يضعوا فرشاة واحدة من الدهان وقد اعتادوا على ذلك.. أساساً حرام صرف قرشٍ واحد إضافي..
لفت نظري تقريره بأنه صرف قرش آخر حرام،..
فسألته:
- هل أنت ضد تحسين الأمور يا أبا سالم..؟..
فأجابني بتردد:
- لا، أنا لست ضد التحسين، ولكن.. ولكن.. الكل، الكل هكذا فكيف نضيف نحن فنخرج عن روتين الآخرين.. هذا هو الأمر وحسب!.. أما بالنسبة للسعر، فلا يهم!..
تابع حديثه جاداً:
.. في وسط المدينة مكان كهذا يساوي عشرة ملايين، في مكاننا يساوي أكثر من مليون وأنا أبيع بنصف مليون!..
والله يبارك لكم..
نظرت إلى صديقي مشدوهاً. أومأ لي صديقي بأن السعر هو سعر رجل مخبول قرف المكان والزمان..
قلت في نفسي: إنني بهذا أسكت حاجة ملحة لدي، ويزيد معي مبلغ مشابه أحسن فيه المكان وربما أستطيع مباشرة عمل ما بما يتبقى وبهذا أحل المشكلة التي لدي من جذورها.
- موافق يا أبا سالم. ضع يدك في يدي.. مبروك..
اتفقنا، حمل الرجل أوراقه، ونزلنا إلى المدينة نسابق الزمن، فيكتب لي الرجل وكالة مطلقة وأنقده المال وأستلم المفتاح، وتنتهي الحكاية!..
* * *
وأنا أبيت الليل، أخذت أسأل نفسي عن سر استعجاله في البيع وعن سر قبولنا تلك العجلة!.. لم نستعلم ما يكفي، ولكن مهما يكن من أمر، فإن المكان يساوي أكثر من المبلغ الذي دفعته، حتى لو كان أرضاً فارغة.. أو خرابة!.. أقنعت نفسي ونمت مطمئناً.. فأبو سالم لن يريني وجهه مرة أخرى..
عصر يوم الأحد ذهبنا أنا وزوجتي وطفلي في سيارة أجرة إلى المكان، الذي بدا أكثر سواداً وغباراً ووحشةً رغم وجود مئات الأطفال يتصايحون ويتدافعون ويمسحون أنابيب أنوفهم بأكمامهم الزلقة القاتمة..
كان المكان موحشاً، فبضعة بيوت مبعثرة متهالكة هنا وهناك، وبضعة شجيرات جرداء، وبضعة دجاجات وديوك لمع جلدها العاري، ورجال يحكون فراء رؤوسهم في فيء الجدار الطيني، وبضعة نسوة يمشين عاريات القدمين يغطي (المكشكش) حتى عقبي كل منها.. وغبار.. غبار حتى قاع الرئات المكلومة..
نظرت زوجتي في أُسِّ عيني، وتابعت سيرها صامتةً تجر صغيرها..
أشرت لها نحو البناء.. كان البناء يبدو على طرف وِهْدَةٍ كتلةً واحدة قاتمة مبقعة بألوان قماشية هامدة.. كان كتلة واحدة هائلة من الهم الثقيل.. هكذا بدا لي من خلال عيني زوجتي ومن خلال إعادة النظر في الصفقة كلها..
عندما اقتربنا من البناء، لم نجد أبا سالم يستقبلنا، بل وجدنا عشرة يرحبون بنا ترحيباً لم أشهد مثله، فهو ترحيب الغريق بمنقذه، أو المريض بطبيبه، أو الزاني بغفران زوجته!..
سعدت للترحيب، وبدأت أسأل نفسي.. أتساءل عن هذا المجتمع، بمحتوياته، ورغباته، وتعاملاته، وطريقة طرق القلب وسريان الدم من رأسه العاري إلى قدمه العارية!..
دخلت الشقة الكالحة وعينا زوجتي تتفحص المكان وتتفحصني وتقرص الولد حتى يبكي!.. وما إن سمعت بكاء الطفل المفاجئ حتى عرفت بالاحتجاج، ولما كان البكاء صارخاً قوياً، فقد كان احتجاج زوجتي كذلك من خلال رسالتها الأولى إلي..
حملت امرأة ثخينة عنقها أنبوب نفط، حملت ولدي، وأخذت تداعبه، تشاركها في ذلك امرأتان أخريتان.. بينما امتلأت الشقة برجال ونساء وأطفال، كلهم يدورون حولي يتدافعون، يتقربون ويبتسمون ابتسامة العامل المعفر الخارج من كهف الأموات.. ثم يكررون: أهلاً وسهلاً.. ثم يمسحون بأيديهم كتفيَّ وساعديَّ وظهري وحتى ردفيَّ..
فنحس بأن دفئاً ما من الحب، أو نحن أردناه أو رأيناه كذلك، نحس به يجتاحنا، فيسكت ولدي عن بكائه و(يتنهنه) ثم يبتسم.
وعلى البُسْط بألوانها المتنافرة التي غطت أرض الشقة، جلست وزوجتي وخلق الله من حولنا، فأحسست في لحظة نافرة من الخيال أنني وزوجتي لسنا سوى كتلة قذارة يلتم حولها الذباب بكثافة!.. لكنني تجاوزت هذه الطفرة التخيلية وتابعت الاستماع إلى الأحاديث المختلفة ساعات إلى أن بدأ البعض ينسحب إلى جحور البناء المختلفة، وأرى أن بعض الصراصير، تستبدل نفسها بالبشر المغادرين..
وأخيراً بقيت وزوجتي وابني والصراصير
* * *
لم نتحدث في أمر ما، بل رقدنا في مكاننا، وكنت أعلم أن زوجتي تقف على برميل بارود قد ينفجر في وجهي، لكنها فيما يبدو تريثت، وفضلت أن أقوم أنا بالتحرش بهذا البرميل حتى ينفجر..
رقدت هي بثيابها وفي مكانها، وكذلك فعل الطفل! وبقيت أنا وحدي في هذا الهرم المهروش من الاسمنت أرقب من النافذة نجوم السماء!..
سألت نفسي: لماذا علينا أن نغيب العمر في مقابر الآخرين نكدح فيها، ثم نعود لننام في مقبرة أخرى؟!..
ولماذا على نفسي وعلى أسرتي أن تنام محروقة الجناح من ضيق ذات اليد؟..
ولماذا ليس في حياة الأسر التسعين في هذا البناء أية متعة سوى متع الخيال وقذف الشتائم والخوض في خصوصيات الآخرين؟..
كل الأمر كان عادياً.. فالفقر يجتاح مساحات هائلة من الأرض، ونحن على الأقل عندنا مأوى ونستطيع مضغ رغيف خبز!..
لكن ما أثار معظم ليلي كان: لماذا يريد جميع هؤلاء الساكنين بيع شققهم لي، أو عن طريقي، أو لغيري، بأسعار زهيدة أقل مما اشتريت شقتي من أبي سالم؟.. أمر في غاية الإدهاش!..
عندما كنت أسأل أحدهم أو إحداهن عن سبب بيع الشقة يجيبونني، أنه لديهم بيتاً في قريتهم، أو أن أعمالهم تنتقل إلى مكان آخر، أو أنهم مهاجرين.. ولا أعتقد، بعد كل الأحاديث التي جرت، أن أحدهم باح بالحقيقة!..
ملأني الليل الأسود سواداً في الإحساس، وفي الفكر.. فارتجف وجهي ضائعاً، وذرفت عيناي دمعاً مشحوناً بالأسى من غير إجابات..
عندما صاح ديك بلا ريش، غفوتُ نتفاً من الوقت، فقال لي حلمي المشتت إنني في مقبرة مع كل هؤلاء الناس نعِنُّ، نئِنُّ، نُلَوِّح بذيولنا التي نبتت لنا ونتعارك بواسطتها، والظلمة داكنة.. ولم يكن أحد يرى بقعة ضوء في السقف سواي، فأقف فيهم صائحاً:
- هناك بقعة ضوء صغيرة، ألا ترونها؟!..
كانت بقعة الضوء تنتقل من مكان لآخر، والآخرون ينكرون وجودها، ويحاولون فتح ثقوب في الجدران من أجل الهروب، لكن أحداً لا يستطيع الهرب.. أما أنا فكنت أتابع بقعة الضوء، ورغم أن أحداً لا يستمع إلي، أو لا يريد أن يسمعني، أو لا يهتم لصياحي، فقد كنت أجأر بالصوت بكل قوتي:
- تلك هي بقعة الضوء،.. بقعة الضوء،.. هذه هي بقعة الضوء..
أتفجر بصوتي، فتصحو زوجتي فزعة!..
- أية بقعة ضوء تتحدث عنها أيها الرجل الهمام الذكي.. انهض من أجل أن تغرق وتغرقنا في قرارك العظيم هذا في شراء هذا القصر!..
أغمدت سخرية زوجتي خنجرها في صميمي فسكت، ورغم صحوتي فما زالت بقعة الضوء المتنقلة في سقف القبر الجماعي تمسك بعيني، تذيبني فيها.. فتنساب الدمعات في قلبي المدحوض، ولكنه يبقى معلقاً في بقعة الأمل..
* * *
قالت زوجتي:
- قم يا رجل فقد صحا سكان القبور!..
لم أنبس ببنت شفة، وذهبت إلى الحمام أفرغ فيه ما أستطيع أن أفرغ، ثم أمسح وجهي بباقي ماء الطاس من عند الجيران، وأسبّح ربي، وأنظر من النافذة.. ثم لا ألبث أن أنهض وألامس حيطان الدرج وأنا أنزل الدرجات.. أتردد،.. أعود أدراجي، وأصعد باتجاه السطح باتجاه الطوابق الخمس الأخرى.. ما إن وصلت السطح منهكاً حتى بدا لي عالم آخر.. تلال، تشقها وديان، ترى في البعيد اخضراراً خجولاً، مسحت وجهي نسمة طرية ملونة بلون الشمس وبقايا القمر الصباحي.. فغالبني شعور بالخجل!.. فالمرء يخجل في الأرض الجرداء لأنه لم يصنع فيها اخضراراً.. نحن نعرف الخوف من الأرض الجرداء.. ولكننا لا نعرف الخجل!..
بقيت هناك وقتاً لا أدريه، إلى أن رأيت زوجتي تبحث عني، فعدت أدراجي إلى شقتي!..
- الله، الله، يارجل أين كنت؟..
- كنت على السطح!..
- كنتَ على السطح؟.. تتمطى وتتمشى وتتشمس وتشم الهواء، أم كنت تتفرج على اللحم الحي!.. أنا أعرفك!.. ابتسمت ابتسامة باهتة!..
- اذهب لتحضر لنا شيئاً .. احضر لابنك حليبه!.. استطلع المكان.. لا أدري كيف سنستمر هنا؟!.. سامحك الله على هذه (الرمية)!.. خرجت صامتاً، تماسكت مستنداً على جدار الدرج وأنا أهبطه وحرقة مبهمة تجعل لعابي مراً..
رحب بي صاحب الدكان المعفرة بالغبار، وباعني بعض الأشياء، ثم همس في أذني:
- أتمنى أن تكون سعيداً بيننا.. إذا أردت شقة أخرى لك أو للأصحاب فأنا أجد لك بسعر أرخص بكثير مما اشتريته من أبي سالم.. اعتمد علي فأنا مختار هؤلاء الناس وكذلك دلاّلهم وأعرف كل الأسرار..
كان علي أن أنتظر زبوناً إلى أن ينتهي، حتى أطلق السؤال الذي يشغل بالي طيلة الليل:
- أنت أبو سعيد، يعني أبا للسعادة والسعداء.. فهلاّ منحتني السعادة بإجابتي على سؤال يحيرني.. لماذا كل هؤلاء الناس يريدون بيع بيوتهم وبأثمان بخسة!؟..
حدق في وجهي وأعطاني انطباعاً بأن جواب هذا السؤال ليس أمراً بسيطاً بل هو جواب يحتاج إلى جلسة وإلى ثمن!..
- متى يا أبو سعيد تكون مستعداً لإجابتي؟!..
- تعال بعد ساعة، عندما تنفك عن رأسي تلك المرأة السقيمة الملحاحة!..
* * *
وعدت إليه بعد ساعة!..
تركت زوجتي تعمل ما يمكن عمله من تنظيف وترتيب.. تركتها وفي رأسها تساؤل يدور كيف أن زوجها الذي عاشرته وعرفته يكون أحمقاً إلى هذا الحد؟!..
عدت إلى أبي سعيد الذي دعاني إلى داخل الدكان، وأجلسني زمناً وهو يحرك الحليب في القدر الساخنة يعده ليصبح لبناً رائباً، ويتركني في حيرتي، ثم يسألني بهدوء:
- هل تريد شراء شقة أخرى؟!..
- لا، بالطبع! فأنا ليس لدي، ولست أرغب، ولست سعيداً بما اشتريت!..
- إذن يا عزيزي فقد أصبحت واحداً منا؟..
ولما زاد استغرابي، أوضح لي الأمر على الشكل التالي:
- ياعزيزي، لو أنك تريد أن تشتري شقة أخرى لأخفينا عليك الأمر حتى تشتري، لكنك وقد اكتفيت واقتنعت، فقد أصبحت واحداً منا تعاني نفس الهم والمشكلة.. فلا بد أن أخبرك عن المصيبة التي نحن فيها!..
- الله!.. وما هي هذه المصيبة أيها السعيد أبو السعيد!..
- اسمع!.. هذا البناء فيه مصيبة، ونحن الساكنين، لا نخبر الآخرين بقصد أن نبيع ما لدينا ونرحل من هنا، ولا يجوز لأحد أن يعرف سرنا، لأنه لو عرف فلن يشتري.. الآن مصلحتك من مصلحتنا وعليك أن تكتم السر.
- الله، الله.. أبو سعيد؟؟..
- هذا البناء كله، لا نغير في لونه، أو نضيف عليه أية تحسينات لأن كل ذلك هدر دم، والدم لدينا قليل!..
- لما لا تتكلم يا أبا سعيد؟..
- سأتكلم.. هذا البناء إن لم يسقط فصل الشتاء القادم فسيسقط حتماً في الفصل الذي بعده!..
لم استطع ابتلاع ريقي، كان حلقي جافاً مثل حجر الكلس، وضعت راحتي على كتف الرجل وأنا أحرك وجهي محاولاً استخراج كلمة..
فهم الرجل ما أردت فتابع حديثه:
- أيها العزيز، هذا البناء مبني على أرض كما ترى تقع على جرف سيل، اختارها أصحاب المشروع لرخص ثمنها، ثم أقاموا البناء بتراخيص ودراسات مرت من فوق الأسطحة، أو من زواريب الليل..
ثم باعوها في أيام معدودات بأثمان رخيصة لأولئك المساكين الذين لا يحملون الشوك في أيديهم يستطيعون بها جرح الآخرين..
نحن هنا في كل شتاء نرقب السيل ينهمر معرياً أساسات البناء الغربية وجارفاً في الأرض التي تسندها، ونتوقع أنه في فصل شتاء ما، قد يكون القادم، يعري القواعد مما تحتها وينهار البناء على رأس مئات الأشخاص الذي يسكنون فيه..
- إذن، أصبحت أنا من هؤلاء المساكين البسطاء الضحايا..
- نعم يا عزيزي، ولذا فأنا أخبرك.. ويجب أن نبيع ، أن يبيع الجميع ويرحلوا..
- ولكن؟!.. لما لا تخبرون المدينة؟!.. قد يستطيعوا عمل شيء ما..
- إن أخبرناهم فماذا سيفعلون؟.. هل سيملكوننا شققاً جديدة..
.. أم هل الأفضل أن نبيع ونأخذ أموالنا ونرحل..؟!..
قلت مذهولاً:
- إن ذهبنا نحن، فسيكون بدلاً منا بسطاء مساكين ضحايا آخرون..
قال أبو سعيد:
- لا يهم مادمنا سنهرب بجلدنا!..
تابعت من غير وعي:
- لا بد أن يكون هناك بقعة ضوء،.. لا يهم إن كان الخمسمائة مخلوق من البسطاء يُكَنَّوْنَ بأبي سالم وأبي سعيد وغيرهما، أو يكنون بأسماء أخرى.. فهناك دوماً خمسمائة من البسطاء ينتظرون الانهيار..
لا بد أن يكون هناك بقعة ضوء!..
* * *
كانت حفلة من السخرية دارت حولي وركبت فوق رأسي وبقرت بطني تلك هي التي حملتها زوجتي بعد أن عدت إليها وحدثتها بما جرى!..
تابعت سخريتها قائلة:
- وما أنت فاعل أيها البطل؟!..
- اتركيني أقضي هذا النهار، ثم أنام الليلة، ثم أجيبك غداً صباحاً..
- الأمور واضحة يا عزيزي!.. فإما أن تخبر قضاة المدينة فنصبح أنصاف مشردين؟ .. أو أن تصمت وتبحث عن مشتري (تلزّقه) كما (لزّقونا)!..
- قلت لك اتركيني بعض الوقت أو بعض يوم وليلة،.. فأنا قد تركت الشأن لرب العباد.. وفي داخلي بقعة ضوء أبحث عنها.. استلقيت، (بحلقت) في السقف الذي كانت تظهر من اسمنته بعض قضبان الحديد الرفيعة، ثم قلت في نفسي إن غداً يومٌ آخر..
قبيل المغيب صعدت السطح ثانية، وأحسست بأن الصعود لم يكن متعباً كما في المرة الأولى، وأخذت أبحث في الآفاق والمدى قدر ما أمكنني كبشر أن أرى..
الجبال البعيدة ببعض الأخضر تناطح السماء، ثم تلال جرداء ترتمي في كل الأنحاء، ومن الناحية الجنوبية تغطي غمامة دخانية أجواء المدينة الكبيرة..
عدت بناظري إلى التلال، ثم انتقلت إلى البقعة التي تحيط بالبناء ووجدت آثار السيل العريض العميق في الجهة الغربية من البناء والذي يمس قواعده وجدرانه هناك، وقد حفر عميقاً حيث بانت كتله الاسمنتية المسلحة الفقيرة بالاسمنت والتسليح والحجم لبناء بهذه الضخامة.. وتراءى لي وكأن البناء يربض على رمل وليس على أرض صلبة.. والسيل فعلاً قادر على جرف الرمل وبالتالي ترك الأعمدة الحاملة، محمولةً معلقة في الهواء بلا جذور.. ومن ثمَّ فإن القواعد الأخرى لا تستطيع تحمل الضغط.. فينهار البناء في السيل وتكون نهاية العالم.. عالمنا.. دون أن يحس بنا العالم، عالم الآخرين..
هرعت إلى الدرج أدوسه قفزاً وأعود إلى الأرض، ثم إلى السيل.. أتلمس القواعد المسكينة المحملة بالأطنان الكثيرة وبكل هموم البشر…
* * *
- أبو سعيد؟! لماذا تبكي يا صديقي!..
- تقول إننا لم نفعل شيئاً من أجل هذا الأمر!.. السنة الماضية مثلاً جمعنا من كل رجل مائة ليرة، وعمرنا جداراً من البلوك حول القواعد، فجاء السيل وجرفها دون اكتراث!.. السنة التي قبلها اجتمعنا وقررنا أن ننقل التراب من الضفة البعيدة ونحجز مكان القواعد، ففعلنا، ولكن هدير السيل حمل التراب بعيداً وبقيت قواعدنا عارية تصارع عاتي الدفقات.
تركت أبا سعيد، وعدت إلى بيتي المرتكز على قواعد قصبية حزينة، واستلقيت غير عابىءٍ بتعليقات زوجتي وقررت أن أنام منذ المغيب، فأنا أفعل مثل غيري في الهروب.. والنوم هو الهروب الأفضل..
نمت منذ رحيل الشمس واستغرقت ساعات طويلة بدت بطول تاريخ البشرية منذ مقتل هابيل، وإلى صلب المسيح، وإلى مشاريع الغزو والإبادة العرقية، وإلى حرق الشعوب واقفة وإلى اغتصاب بناتها ولواط أولادها وقتل رجالها وسرقة أموالها..
نمت بطول تاريخ الإنسان الأسود باحثاً عن البقعة الضوئية، علني أجدها في مكان ما..
وكما كان هناك الظلم والظلام في قلب الإنسان، كذلك خلق الله الخير والضياء، وعلينا أن نجده، فالظلام أقرب، والضياء بحاجة إلى البحث عنه.. وتلك هي مهمتنا نحن البشر..
نمت، ونام كل شيء، لم أسمع الزوجة والطفل، ولم أسمع عواء الكلاب، ولا جارنا يشد شعر زوجته، ولا جارتنا الأخرى تعض جارنا في مكان الرغبة لديه.. لم أسمع شيئاً فقد بت ليلتي بعيداً في جسدي عن الآخرين، وبعيداً في عقلي عن جسدي، وبعيداً في روحي عن عقلي..
كلنا حملنا مشعلاً صغيراً لا يضيء حتى نفسه، فشغفت روحي أن ترى المشاعل مجتمعة فضمتها حزمة أصبحت مشكاة ضوء، انضم الضوء الواني إلى الضوء الواني فتشكلت بقعة ضوء.. وقبل أن ينبلج الفجر الجديد،
نهضت، فتحت الباب بهدوء، هبطت الدرج بخفة، وسريت نائماً.. يداي ممتدتان.. سريت نائماً باتجاه الشمال أمشي داخل مجرى السيل..
مضت دهور وأنا أمشي يداي مثبتتان باتجاه الشمال، ورأسي ثابت فوق كتفيَّ، وأنا أرى ولا أرى، فأنا مازلت نائماً أسري في الليل على هدي بصيرة الروح التي خلقها الله فينا..
لم أكن من أولئك الذين يمشون نائمين، لكنني ليلتها أمشي وجسدي يتحرك بأمر من روحي وليس من عقلي أو رغبتي..
عندما استفاق الصباح وأخذت ملامح أشعة الشمس تظهر، بدأت أستفيق ووجدت نفسي في أعالي الجرد الجبلي، أطل على التلال والوهاد والسيول ومجاريها وامتدادات السهول حتى المدينة الواسعة!..
وكانت إطلالة فيها الرهبة والخوف والعجب والتساؤل والسعادة!..
وكان مكاناً لا أستطيع الوصول إليه في الأحوال العادية..
هناك وفي الصفاء الخالص، والهدوء المطلق، والعالم كله مبعثر أمامي.. والبناء الأسود السخامي يقبع هناك في المدى.. هناك بدأت أرى الأشياء بلون آخر.. لون آخر يشبه بقعة الضوء..
بدأت أستفيق.. صرت أقرب إلى العالم الذي أمامي، أحسست بالندى يغسل وجهي، وبالنسمة تحف جلدي، وبالشجيرات القليلة القريبة تسكنها طيور فردوسية صغيرة تزقزق..
استفقت فرأيت محادر السيول ودروبها تتجمع هنا وهناك.. ثم تتشكل بضعة سيول رئيسية..
وببساطة شديدة، رأيت السيل الذي ينحدر باتجاه كتلة الاسمنت سيلاً يمكن تحويله إلى مجرى آخر..
ركضت، كما لم أركض من قبل!.. وأحسست بالشوك يتقلع من جلدي.. أدركت أن قلبي كان فرحاً.. فهرعت إلى أبي سعيد..
قال أبو سعيد عندما رآني:
- أين أنت يا رجل، لقد جننتنا زوجتك في البحث عنك؟..
رافقني صديقي المهندس ونحن نأتي إلى ساحة الاجتماع وفيها مندوبون من تسعين شقة في البناء..
- أيها الناس الطيبون!..
لدينا دراسة كاملة عن سد يحول مجرى السيل.. فماذا تقولون؟..
وقبل أن يجيب أحد تابعت:
- إن أمامنا تجارة تأتي بربح قدره ألف ضعف فما رأيكم؟..
أجابني أحدهم:
- نحن لسنا في تجارة الآن، نحن في بيتنا وبنائنا ومصيبتنا!..
تابعتُ:
- هو الأمر كذلك.. بتحويل مجرى السيل، يسلم بناؤكم، وتحصلون على بحيرة ماء في ذلك الوادي حيث تزرعونه وتحصدون حتى التخمة وكل ذلك من غير قرش.. إنه بجهدكم وتعبكم تقضون فيه أياماً بل شهوراً ربما، ولكن تجارتكم هذه ستعطيكم كل الذي تشتهون لكم ولأسركم ولمستقبل أبنائكم..
لا تخافوا من أن تقولوا الحقيقة لقضاة المدينة بدلاً من أن تفكروا في نقل المصيبة من واقعكم لواقع الآخرين..
إن أعظم المصائب يمكن تحويلها إلى نِعَمٍ بهمة تنبع من العقل والقلب..
* * *
يقول الزائرون:
نحن لم نر منطقة بهذا الجمال، الجبال والشجر، والبحيرة والبط، النسمة والنغمة، الخير في كل مكان.. وقبل كل ذلك الناس هناك قلوبهم تنبض بالحب والجمال..
قال الرجل العائد من غربته:
حلمي أن أعيش في تلك المنطقة وأتزوج من هناك ابنة رائعة الجمال.. وأسكن في ذلك البناء الضخم الذي يحتوي على تسعين شقة جميلة براقة أريجها يسكر عشاق القلوب الدافئة..
قلت أنا لزوجتي وهي على زندي:
الفرق بينما كان وبين ماهو كائن، أننا فكرنا في نقل مصائبنا للآخرين، أما الآن فنحن نواجه الحقيقة..،.
لأول مرة قبلت زوجتي مع صياح ديك الصباح.. ثم نهضت مسرعاً إلى النافذة وعندما نظرت من هناك وجدت الديك وقد كساه ريش غزير زاه ملون.
-=-=-=-=-=-=-
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|