عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

 

"آه لو استطعنا أن نغلق

جفنينا وننتقل إلى عالمٍ آخر.."

 

العرس في عالمٍ آخر

نيقوسيا  8/1/1999

كان على آدم بعد أن عصى ربه أن يبرهن  على توبته طيلة أعمار أحفاده إلى يوم الدين.. فعاش على هذه الأرض وعرق جلده وصبر على الحر والقر والجوع وبكى لهول الكوارث وعانى من غدر الأحبة..

ولكنه رغم توبته فقد غض النظر عن الحروب التي قام بها الكثيرون وتجنب رؤية الفقر يجتاح نصف كرة الأرض البيضية، وتناسى رؤية الذباب يعشش في ثقوب الأطفال…

وهكذا جاء آدمُ وأحفادُه ربَّهم يوم الدين وهم لا يدركون فيما إذا كان الكتاب في يمينهم أم في شمالهم!..

-1-

قبل أن تصيح الديكة تحركت الأم الكبيرة منتعشة وهي تمد يدها المصنوعة من عظم قديم وعِرْقٍ أزرق وعصب كخيوط المصيص، إلى حواف النافذة تفتحها لتستقبل برودة وهدوء الليل قبل الفجر، فيعترض ابنها الشاب على البكور فمازال هناك وقت للنوم، غير أن الأم تنادي على الجميع أن يستفيقوا فهو يوم العرس، وهناك عمل كثير يجب أن يتهيأ، فالعار سيلحق بالأسرة إن لم تؤد واجبها في هذه المناسبة، وهذه الأسرة لا يجوز أن تكون في أواخر الأسر الثلاثين التي تحتفل اليوم بفرحها المنتظر، وعليها أن تبذل ناتج سالف الأيام وتاليها في هذا اليوم ومن أجل أن يقول الآخرون كم كان طبخ الأم لذيذاّ، وكم كان عدد رجال الأسرة الذين (يتمخطرون) في الدروب كبيراً، وكم كانت أصوات النساء عالية مزغردةً، وكم كان وزن الذهب المتأجج ثقيلاً في يَدَيْ وعلى صدر ورأس الفتاة المرسلة في ثوب أبيض إلى فراش زهري على ضوء قنديل ملون لا يعرف رائحة زيت الكاز!..

عندما تحركت الأم الكبيرة بفرح عمرها أصرت على ابنها الشاب أن يستيقظ ويوقظ الأب والأخوة والأخوات وكذلك الذين تبرعوا بالعمل الطوعي، والذين قرروا جلب الهدايا من برغل ورز  وسمن وسكر وشاي وملح وزيت وبهار وفلفل، وكذلك من سجاد وخشب وقدور وأباريق..

غير أن الأم الكبيرة حذّرت الشاب ألا يوقظ أصحاب الكروش المستعجلة إن كانت تلك الكروش في البطون أم في الرؤوس أم بين الشفاه وتحت الألسنة.

وهكذا كان.

استيقظ الشاب الذي نام سويعات الليل وهَمْسٌ يَعِدُ جلده بلهاث قريب، فزادت ضربات القلب واشتد وهج الدم داخل الأدمة.. ففرح كما لو أنه نجح في تغيير نظام الكون وتعديل قانون العذاب فيه إلى قانون المتعة.. استيقظ الشاب وأحس أنه لا يبحث في هذا اليوم عن ثدي أمه، بل يبحث عن عطور أخرى مبعثرة على سطوح أخرى من ثقوب العَرَق..

وبدلاً من أن يتحرك الشاب المتمطي إلى تنفيذ ما طلبت منه أمه الشرهة للفرح، تحرك نحو المرآة يخطط للأسلوب الذي سيكون فيه متأنقاً متألقاً يستطيع إدارة وجوه الصبايا الثلاثين من أنوفهن إليه ليقلن إنه زينة الرجال المقبلين إلى مخادع الإناث المعطرات المنتظرات.. ولما أطال في المرآة، وامتزجت تقاطيعه بتقاطيع جميلته المحنّاة الملونة المزينة التي لم يميز وجهها كثيراً، ولكنه ميز صدرها وردفها، ولما أطال في المرآة كثيراً نادته أمه مجدداً وأكدت عليه أن يضيء المنزل كل الإضاءة، وأن يوقظ الآخرين من رقادهم الثقيل، وأن يبعث الحياة والضجة في النيام ليبدؤوا الفجر بالصلاة والعمل والبهجة وليبدؤوا في إيقاد النار طيلة اليوم الذي لن تشبع فيه البطون ولا الرؤوس ولا الأعين..

فهذا النهار نهار خارق للمألوف، تُذاب فيه لحوم الخراف على نار طويلة النفس، وتترامى فيه الحبوب المختلفة ضمن أوعية نحاسية كأنصاف الكرات تتقلب فيها السوائل حتى تلين وتتلاصق، كما تمتلئ المجاري بمياه آتية من أنابيب تقول إن الرجال قد غسلوا شعورهم، وإن النساء قد أفاضوا في الطهارة ودَعْكِ الوجوه ونتف دوائر العيون والآذان والأفواه وكل الدوائر الأخرى..

وهكذا كان: أيقظ الشاب كل أرواح الأرض فأيقظ أباه بأدب وهدوء واحترام وأخاه الأكبر بأقل من ذلك، وأخاه الأصغر بأمر زاجر، وأخواته بخبث ومزاح وتعالي.. وأحب أن يكون لطيفاً خفيف الدم فأرسل نكتةً عن الرجل الذي أكل صفعة من زوجته السمينة ليلة العرس، وأكد على أنه هو الذي سيطعم زوجه الصفعة، وأنه هو الذي سيقف على العرس منادياً كل الرجال أن يطالبوا بحقوقهم في احتكار الأمر والنهي…

عندما استفاقت أخته وفركت عينيها جيداً، ومازال نصفها تحت الفراش، وأخته هذه هي توأمه طويلة اللسان، قالت له إنها ستشمت فيه الليل التالي وأن رجولته التي يتباهى بها ستتحطم على باب غرفة السرير أولاً، ثم على السرير نفسه ثانياً..

فرد الشاب عليها قائلاً إنه سيد الرجال والرجولة، وإنه قادر على اختراق الجدار والسرير.. وأنه أول من سيرفع العلم الأبيض الأحمر فوق الباب، من أجل أن يطلق الآخرون الرصاص في الهواء..

فأجابته أخته التوأم التي سبق وأن عاشرت زوجاً، وفارقته عائدةً إلى بيت أبيها أكثر قسوةً وعناداً وتفجراً وسخريةً، أجابته بأنها متأكدة من أن الدم سيجري في الطرقات أنهاراً إلى أن يغرق الناس فيها في ظلمة الليل..

أما الشاب المبتسم المبتهج الذي رأى الفجر مبتسماً مثله، استدار إلى صندوق الخشب يحركه،وإلى أوعية النحاس والألمنيوم ينقلها معلناً بدء يوم العرس.

*           *              *

-2-

يقال إن الشمس نمت جذورها في ذلك اليوم فغرستها على التلة المقابلة ثم فاضت في نورها ودخلت الأبواب والنوافذ والشقوق ثم غمرت الوجوه فأظهرت الخطوط تحت الأعين وأبانت فوهات الأنوف وقشورها ولعبت بالغبار المتصاعد المتهابط في البيوت والزواريب والشوارع وعلى سطوح أوراق الشجر، وكذلك في الجيوب الملقاة داخل وعاء النحاس الكبير.

قال أخوه الأكبر:

- اليوم يومك يا فتى!.. أنت ترهق نفسك منذ الآن وعندك عمل شاق في المساء..!..

وضحك أخوه الأكبر، وضحك هو، وخبأت الأخت الصغرى ابتسامتها الخبيثة داخل فمها.

أتْبَعَتْ ذلك أختُه التوأم بقولها:

- لا تحمل (الدست) كي لا (تنحل) وكي لا يحصل لك مثلما حصل لغيرك!..

استجابت الأم للحوار من بطن الدار، فزجرت ما بين ضاحكة وجادة:

- لو لم يكن اليوم يومك أيها الفتى لكسرت رأسك ووضعته في حلّة الطبخ!..

فتابعت توأم الشاب:

-.. ولكن ماذا سيحصل لابنة الجيران لو وضعت رأسه في حلّة الطبيخ يا ماما؟.. هي تصبح أرملة قبل أن تدخل دنيا؟!..

ضحك الجميع وهم يعزفون ملهاة واحدة تنبع من وسطهم وتصل إلى رؤوسهم مارةً بأشداقهم الضاحكة المتضاحكة.

يجري العمل تنظيفاً وغسلاً وطبخاً وأغراضاً مبعثرةً، وتداخلات صوتية (وجلجقات) سوائل. ترتفع حرارة الشمس وترتفع حرارة العمل وتبدأ تقاطيع الوجوه بالتزمزم

فيختفي المزاح بعيداً، وتصبح سطوح الرؤوس أكثر صرامة وتوتراً. أما الأنفاس فقد أصبحت أكثر قصراً.

يمر الأب جانب الأم والأبناء، يعطي التعليمات والملاحظات، يتذمر من الإهدار والفوضى، غير أن العيون ما حفظت مروره والآذان ما ذكرت كلماته، وكأن المرور ما كان.

اخترق هذا الضجيج الروتينيّ أحدُ الشباب الثلاثين قادماً يطلب من أم الشاب  في هذه الدار حيلةً يساعد بها جمعه الذي في داره على النفخ والطبخ ، وتلك الحيلة هي وعاء الطبخ الكبير فقد كان (دستهم) مثقوباً. تعتذر الأم فيذهب الشاب لحاله (مكسور) الخاطر. لم تدع توأم الشاب الفرصة تذهب دون أن ترسل طلقتها الضاحكة:

- يبدو أن الثقوب ستكثر في هذا اليوم!..

*           *              *

جاءت أول أخبار الإثارة عندما نقل بائع مقلَّدات المجوهرات واللوازم النسائية ما مفاده أن أحد الشباب الثلاثين قد شتم آخر منهم و (عيّره) بأن نسبه لا يشرف!..

الشاب الشاتم من عائلة قوية على جيرتها كثيرةً في حيلتها وكلمتها، تبحث عن سبب للشتم تحت غطاء أنها لا تقبل الضيم. أما الشاب المشتوم فهو رجل من خشاش الأرض يأكل من بصاق الآخرين يبحث عن الدود في الجوز، وعن البيوض في التين.. وهكذا لم يكن الخبر مثيراً بما فيه الكفاية!.. فليس له ما يتبعه، والكل يعلم أن التمثيل هنا مقفل، فمن شتم قادر على الشتم ومن شُتِمَ قادر على قبول الشتيمة!..

أما الخبر الثاني الذي نقلته بائعة اللبن الدّوارة فكان عن سرٍ شاع بين مسنّات البلدة يقول إن إحدى المقبلات على سرير الفرح لا تملك جلدتها وهي تسعى لشرائها وتركيبها قبل مجيء الليل.. وكان هذا الخبر أكثر إثارة!..

وقد قال الخبر الثالث، الذي رواه أحد الشباب الثلاثين ودار به على كل الدور تحت غطاء توزيع خدماته على أصحاب الأعراس، إن واحداً من هؤلاء الثلاثين رجلٌ عنينٌ حاول أن يتداوى وقد ذهب إلى قلب المدينة من أجل ذلك.. ولم ينس هذا الشاب أن يذكر من خلال روايته أنه لم يذهب هو نفسه إلى قلب المدينة طيلة عمره، فهو شاب قضى حياته مع تيوس البلدة وأكباشها فوق الروابي والهضاب البعيدة.

كانت هذا الأخبار كافيةً لتتحدث المرأة التوأم عن نسوةٍ لا يعرفن أصول العشرة، وعن أخريات يتمادين في الطلبات، وعن رجال يرغبون في الأيام الأولى إلى أن ينتهي شبقهم، ثم يذهبون إلى زرائبهم أو حقولهم أو ورشاتهم أو مكاتبهم أو قمارهم أو بيوت دعارتهم.. تتابع حديثها ، ومن حولها من النسوة يعاتبنها في الحديث في المعيب، وعندما يبدو لهن أنها نوت أن تنصت تبادر إحداهن إلى سؤالها عن أمرٍ يؤجج مجدداً حديث الغرائب والعجائب.. فتتابع المرأة التوأم المطلقة أخت الشاب الذي ينتظر المساء، بقولها إنه في غياب الرجال الموجودين الغائبين تتناذر النسوة إلى لقاءات فيها يفيض الحديث، ويكثر الهمس، وتتناقل الأسرار حيث تصبح مِلكاً مشتركاً، ثم تبكي وتشكي كل واحدة للأخرى، فتواسيها هذه الأخرى باحتضانها وتقبيلها، ثم بالإكثار من القبل إلى حد نسيان الأزواج.

*           *              *

 قصص الخطبة والزواج أكثر من قصص الهموم، وأطول من استطالات المسلسلات، فمن فقير لا ينال الغنية إلا بعد محاولات ومثابرات وكدمات،  ومن صانع لا ينال ابنة الجاه إلا بثروة يقتحم فيها أبواب المجد العملاقة، ومن فتاة مسكينة يعلّمها الدهرُ أسلوبَ الأخذ والرد والمناورة، إلى فتاة وشاب يرسمان القدر مبتسماً ثم يهشمانه على جدار البطن الجائع..

وعلى حدود المدينة هذه يخطب الشاب ابنة الجيران، وابنةً أبوها رجل مبتسم، أو ابنةً لأي مشرب. لا يجوز لأحد أن يتزوج واحدة قبّلها قبل ذلك، أو حتى أشيع أنه قبلها.. لا يجوز لأحد أن يتزوج من فتاة ركلها آخر أو أثار حولها حديثاً أو أشاع عنها بأنها ذات علاقة ما في وقت ما مع شخصٍ ما، حتى لو كان هذه الشخص هو معتوه الطرق. وهكذا كانت أولى المتزوجات هي التي لا يجرؤ أحد على التحدث في سيرتها لأن أباها رجل ذو سطوة قادر على الأذى، وكانت ثانية المتزوجات هي التي من ورائها منفعة ما، وثالثة المتزوجات فتاة قادرة على الكذب والإيحاء بالحال الأول والثاني.. أما الأخريات فهن ونصيبهن!.. فهن بلا حول ولاقوة، ويأتي من يأتي من الأزواج فيزيد الضعف ضعفاً. وتبدأ مسيرات الأسر الحديثة باتجاه الشمس التي غرست جذورها في ضاحية المكان.. غير أن تلك الأسر لا تصل في النهاية إلى منابع الضوء..

ويكتب بعدها الشعراء والقصاصون أن الأرحام انتفخت في الظلام وأن الولادات تمت على ضوء شحيح، فخرجت الأجنة تهيم في دروب معتمة.

*           *              *

-3-

يرى الشاب ما يحدث من تجهيزات وإعداد على غير انتظام، فالداخل يصطدم بالخارج، والعابر يدلق السائل على الأرض، والطفل بلا مَصْدَرٍ يضيع في لهاث الكبار، فتصرخ به الأخت المفارقة أن يبتعد خيفة ألا يلتصق بساق أحد، والأم تهيب بالنسوة أن يختصرن (بعبعاتهن)، والأخ الأكبر يبادر إلى القيام بدور الأب التوجيهي، فلا يستمع إليه أحد،.. تندلق الزيوت والسوائل الأخرى في القدر والقدور، وتخرج السوائل في مهرجانات أبخرة تدخل الصدر والصدور، وتموء القطط وقد قرحت عيونها عفرات الغبار، ثم (تهبش) ما استبان لها من (الشخت) المحببة برائحة اللحم في فترة نفاذ رائحته..

تتحدث الأخت المطلقة عن ضخامة الحيوان المذبوح، عن هبرات صدره وقوة فخذيه وضخامة لسانه، وعن قوة عظام ظهره، وتتأوه ذاكرة رجلها الذي غاب، كيف كان غائر اللحم هش العظم مكسور الجرأة كثير الأعذار..

وتتحدث الأم عن مجدها أيام مجد الصبايا عند نبع الماء، حيث كان النبع دفاقاً مثل عواطفهن، وحيث كان الشباب يقفون وفي يد كل واحدٍ منهم وسيلة للصيد. سنارات تنطلق من محاجر العيون الذابلة، وشباك تنطرح من تنهدات الرغبة، وبنادق صارخة تتوهج بالدعوة للخرق بين آن وآخر..

وتطرح الجارة مشكلة التعب الذي سببه لها آدم، فهو أحمق كسول لا يستطيع تأدية أمرين وحسب مطلوبان منه، هما في الحاجات والاحتياجات، فكم ألحت الحاجات الكسائية والغذائية والسكنية، وكم ألحت الاحتياجات النفسية والجسدية!.. ورجالها، وهم ثلاثة حتى حينه، كانوا قاصرين مقصرين، متهمين بالتغيّب والمخادعة. بحثت في رأس الأول فوجدته فارغاً، وبحثت في جيب الثاني فوجدتها خفيفة تتمايل مع دعابة النسمة، وبحثت في صلب الثالث فوجدته بلا أولاد..

تتداخل طَرَقاتُ الأوعية بارتطامات الأقدام بطقطقات وَقْدِ الخشب وهبات النار، بفحيح العجائز وتدحرج ذخائر الأطفال، وبتنهدات بضعة صبايا ينتشرن ويتفرجن في صحن الدار، وهن يدرن ويتحركن بلا نتيجة..

يدخل الأب، يتحدث، يوجه، يتبرم، يصرخ، ثم يخرج وكأن الذي دخل وخرج هو ذكر النحل، أدى مهمته ذات يوم وهو بلا مهمة الآن، فهو ليس بحاجة لأن يبقى، وليس الآخرون بحاجة لأن يبقى، وربما توجد طريقة لبعثرته وتشتيته في الأصقاع البعيدة..

والأخ الأكبر يؤدي مهمته وعليه أن يتحول إلى صورة عن أبيه قريباً. أما الأخ الذي يدور يومه الآن فعليه أن يؤدي مهمته كما أداها أبوه، ولذا فهو هام لاستمرار الحياة، ولكن ما أن يؤدي مهمته على أكمل وجه حتى عليه أن يتحول إلى ذكر نحل تطارده لعناتٌ تنطلق من حناجر وبطون وأوعية.. وقد قالت امرأة جاءت تدلي بدلوها وترمي بحملها في (معمعة) العرس إنه – حسب معلوماتها الوافرة- لم يحدث أن هرب ذكر نحل تلاحقه العاملات، واستطاع، وهو تائه في صحرائه، أن ينجو ويبني خلية جديدة.. العاملات يعملن من أجل الملكة، وفي هذه البلدة كلهن ملكات، وما أحوجهن لعاملات، من أجل خدمتهن ومن أجل قتل الذكور!..

تزداد حرارة شمس النهار، تتقد النيران، يزداد الوهج ويصل إلى جحور الجرذان في الجدران التي فارقها الزمان وحط رَحْلَهُ فيها الأوان. الجدران التي لامسها الإنسان، والتي رأت زهر الياسمين يهدى أبيضاً لامرأة تلبس الأبيض على لحم أبيض يضم عروقاً فيها سائل أحمر ينتظر الانفجار..

تزداد حرارة شمس النهار، وتزداد أغبرة الأرض، ويزداد دبق الأنفاس، وتزداد (التفتفة)، ويحلو للأخت العائدة أن تغني بصوتٍ فيه لزوجةٌ تدخل بين شفاه الرجال..، فينبه الجار الذي قرف زوجته، والمراهق الذي أحضر الفاصولياء من سيده تاجر الخضار فيحاول إطالة عينيه تحت ثوبها، لعله يتبين الصلة بين الصوت اللزج ومصدره وهكذا تعلو حرارة النهار،

ويصبح هناك مزيجٌ من المتعة والحدة، من الشبق والقرف، من الاندفاع والارتداد.. فيحس الشاب صاحب اليوم بالخوف من زوال الدفق اللذيذ الذي كان يتملكه منذ الفجر، حينما استفاق صباحاً يستشف متعة المساء..

مسح وجهه بيدين مبتلتين بماء لذيذ، وتمتم قائلاً:

- الحمد لله، أمضى الله هذا اليوم على خير!.. يوم ويمضي وأنا أحب (عجقة) العرس، فالبلد كلها في عرس. زرعنا الحقل وقطفنا ثمراً ومالاً.. وسنزرع زراعة أخرى ونجني بنيناً.. والمال والبنون زينة الحياة الدنيا…

*           *              *

اشتدت حرارة النهار، واشتد الصخب في الحركة، وكثرت النسوة اللواتي يجاملن ويبدين رغبتهن بالمساعدة دون أن يساعدن، وتواترت حركة الرجال في الطرقات مابين بيوت الأقرباء والجيران، وكثرت طبقات الغبار المتصاعد من تحت أقدام الصغار المتدافعين في ألعاب (الطميمة) و (البيل) و (العُودة) و(البلالير)..

اليوم يوم عطلة من العمل المعتاد، ولكنه يوم تداعيات فوضوية في العمل من أجل المساء الذي يعتبر قمة العام حيث يعبر قمة الانفعالات والتفاعلات، أو حيث تَعْبُرُه تلك القمم.. فقمة البهجة تتفاعل مع قمم التباهي، وقمم التباهي تتحدى قمم الدفع باتجاه المنزلقات، وقمم المنزلقات تنتظر الرجال والنسوة والشباب وأهل وضيوف الأعراس لينزلقوا جميعاً نحو هاوية القِمامة!..

*           *              *

-6-

مَرَّ هذا الجمع المتداخل المهمهم الساعي لإنجاز العمل عن طريق أيادي غيره، مَرَّ على هذا الجمع الشابُ المشتوم الذي لا يستطيع رد الشتيمة. ابتسم وقال للجمع المتحرك:

- أنا جاهز للمساعدة!..

وبما أنه شاب مشتوم، لم يسع أحد للتعليق على كلامه فتابع الجميع وكأنه غير موجود.. بل إن جلبة العمل ارتفعت وتصاعدت وضاعت جملته الثانية في فحيح (الكبجاية) داخل (الحلّة).

كما مرّت الفتاة التي همسوا بشأنها ونقلت عنها البائعة الجوالة أنها بلا جلدة.. فابتسم الجمع الذي كان يغازل الأواني ابتسامة العارف بخفايا الأمور، ولما عرضت خدماتها المترددة قالت الأخت المفارقة لزوجها الخائب:

- أنت يا حبيبتي يكفيك (مهبكك)! (روحي) دوري على شؤونك. اذهبي وابحثي عما ينقصك من أجل أمسية يومك. صحيح كما تقولين هناك باق من الوقت وفسحة من الزمن، وأهلك لا يتركون لك مكاناً كي تعملي فيه، ولكننا نحن أيضاً نحب العرائس أن يكن في كامل زينتهن .. اذهبي يا حبيبتي للحمرة والبودرة والكولونيا. ثم استطردت معيدة جملتها بنغم أكثر خصوصيةً وتلميحاً:

.. ابحثي عمّا ينقصك من أجل يومك، فالعريس يجب أن يتم طمس نظره في المساء، كما يجب أن ترتخي مفاصله!..

ولما غابت الفتاة، تابعت الأخت الكبرى حديثها:

- جاءت لتعرض خدماتها كي تثبت أنها لا تحترق من الداخل وأنها مطمئنة على أن كل عدتها معها وهي واثقة من الأمان..

فتابعت امرأة أخرى (كُهْنَ) الأخت الكبرى قائلة:

-… لماذا  ما تركتها تساعدنا وستجدين وجهها قد اصفر، ولم تلبث دقائق حتى اعتذرت واختفت تبحث عمن يعيرها ما ينقصها من أجل الليل؟..

غير أن الأخت المطلقة تابعت واثقةً:

- …أقطع يدي إن لم تجدوها عند أم الحجام خلال ساعة ترتق شيئاً من رئة الخروف المذبوح الغني بالدم.

تسكت الأخت الكبرى، وصمت يطبق على الأواني، ثم تتابع إثر لحظات:

- … وأقطع يدي الثانية إن تبين للشاب المقبل إليها أي فرق!..

ضحكت النسوة كبارهن وصغارهن، وقهقهن، وتساندن وهن يذبن في التضاحك.. ولم تخش إحداهن أن يصيبها فتق ما، فقد كن جميعهن بلا جلدات..

*           *              *

تصاعدت وتيرة العمل. تصاعدت الأنفاس وساد صمت الكلام إلى أن مَرَّ الشاب الذي يعاني من العنّة كما نقلت الأخبار المتواترة على لسان النسوة المتنقلات بين أماكن الطبخ المختلفة في البلدة يشمشن كإناث الكلاب ويعطسن كالهررة المصابة بالتحسس في يومٍ مليء بالجرذان..

مَرَّ ذلك الشاب، وأطلق سلام البهجة والفرح، وأبدى استعداده المتحمس للمساعدة، فأعمال أهله في دارهم تسير على خير ما يرام، وهو كشابٍ متعاون فرحٍ عليه أن يمر على دور الشباب الثلاثين، كما يفعل أولئك، وإظهاراً للتضامن، ليسألهم ولو نظرياً عما يمكن أن يؤديه لهم من خدمات في هذا اليوم الصاخب، وهم بالطبع، وكالعادة، سيشكرونه ويبتسمون ويتمنون له حظاً في الزواج والحياة الهنيئة القادمة…

سألته الأخت المطلقة:

- كيف حال أهلك؟ كيف تسير الأمور عندكم؟.. وكيف حالك أنت؟!.. المهم حالك أنت!.. أتعلم أن هذا اليوم مثل يوم الحشر، يوم يذهل كل بشر عن كل بشر!.. لا أحد يستطيع مساعدتك في مسائك.. لذلك قل لي كيف حالك أنت، فالمهم حالك أنت؟!..

تردد الشاب لحظات، دخل إلى عمق داخله، ثم تنبه واستفاق وأجاب مندفعاً مخرجاً ابتسامةً من جيبه وواضعاً إياها على صفحة وجهه:

- أنا؟.. صحيح المهم أنا.. وأنا أيتها السيدة بخير. تأكدي ولتتأكد كل البلدة إنني بخير جداً وسأرفع اللون الأحمر علماً يفتق عيون الناس؟.. ولكن قولي لي كيف كان زوجك ذات يوم؟!.. كان زوجك أستاذي وصديقي..

تبرمت الأخت المطلقة، ونظرت في عيون العجائز الصامتة المتوثبة، ثم أردفت..

- اذهب و(دوّر) على حالك. هذا الجيل خرق القيم العليا ولكنه عجز عن اختراق أوراق التوت!.. أعانك الله أيها الولد!.. شكراً على مساعدتك!.. شكراً على رؤيتنا لطولك وعرضك!..

ضحك الشاب، ضحك الحضور، ضحكت الأخت الكبرى المطلقة، بينما كان الشاب يضم يديه على خصريه تحت حزامه ويدير وجهه ويبتسم ابتسامة صفراء..

- السلام عليكن وعليكم..

*           *              *

-8-

دارت النسوة من دار إلى دار وهن يعرضن خدماتهن، ودار الرجال من تجمع إلى تجمع ينقلون أكياس التعاون الرزية والفاصوليائية، ودار الشباب يعرضون أطوالهم ويدللون على قدراتهم الخبيئة لساحات الوغى.. وفي كل تلك الدورات وكل تلك الأحمال تسري الأقوال سريان النار في الهشيم كما كانوا يقولون، أو سريان الصعق في الديناميت كما نقول، أو ربما سريان اللهيب في اللهيب..

كثيراتٌ من يكنين بأم أحمد، وكثرٌ من يكنون بأبي الشباب، وكل واحد يُنادى بالخال و العم والأخ حتى يتبين لنا وجهه من قفاه!.. وكل هؤلاء وأولئك يحملون زاداً هائلاً من  الأخبار وذيولها ونفاياتها تتكون داخل (الدسوت) وبين حبات البرغل والرز والفاصولياء، وتمتزج بالسرور الذي سيتم توزيعه عند المغيب على أشداق الناس وبطونهم. وهكذا ستمتلئ الدماء بسيرة القاصي والداني والخارق والخرق، والمُشبِعِ والشبعان، وذي السطوة والمسطوّ عليه!..

وعندما تمتلئ الدماء بأسرار الأسرار التي تجتاح الساحَ والدار، ترتفع وتيرة الضربات القلبية، وتتحول خطوط الوجه إلى سمومٍ همجية، تنبض فيها الأعصابُ الخاملة بدل الشرايين، وبدل أن يحمل بعض الرجال ورداً يقبضون على مقابض السكاكين. وبدل زغردات النساء التي تثير السعادة المفاجئة، تتحول الزغردات إلى فحيح يتداخل في أشواك ناتئة..

*           *              *

 

-9-

الحمو والحماة يتفرقعان في المقلاة، والأقرباء والقريبات يُبدون الملاحظات (ويتمخطرون) من باب إلى باب، والزائرون والزائرات ينقلون أنباء السِّيَرِ الملتوية أو الملوية، والطّباخات والطباخون يوقدون تحت القدور، ويحركون الأطعمة الفوارة بمجرفة الإسمنت،

أما الشباب الثلاثين فيفكرون في الدواء الناجع، ولون حمرة الفتيات الفاقع، وأما لابسات الأبيض الثلاثين، فيبحثن عن الذهب فوق الأبيض، ويتحسسن صدق سالف الأيام، وسلامة الأبواب من سروج الدراجات و الأراجيح وطرق الطارقين..

ويهنأ بعض أطباء البلدات المجاورة بزبائن ملثمين أو ملثمات حيث ترتفع الأجور وتخرج نابعةً من صفحات التسعيرة المعلقة على مداخل العيادات.

القطط تجول بين الناس وقد أذهلتها كثرة الروائح المنتشرة في كل دار.. والكلاب تنتظر المساء من أجل النباح، .. أما جرذان سراديب الأرض فقد جربت أسنانها بأحجار السراديب، ودببتها ودربتها وهي تعلم أن أمامها الفرصة قادمة في نيل بعض دماء البشر!..

 

*           *              *

-10-

الأولاد فرحون عصراً، ينتظرون بشغف اللحم في القدر، يلعبون وفي قلوبهم فرحٌ منتزعٌ من رائحة الحقل وحفيف الشجر.

يتدافع الأولاد وقهقهات صبيانية تخترق مخ عظامهم فيفرحون فرحاً ينسيهم تقريع الكبار وعصا المعلم ووجع الأصابع، فيسرحون في كل الدروب والدور يجمعون بعض الغبار في أنوفهم وحلوقهم، ولكنهم يستمرون في الفرح والتدافع، وينسون أنهم في عرس، ويصدّقون أنفسهم في أن أعراسهم هي التي يصنعونها والتي لا يصنعها الكبار، ولا يعرف الكبار كيف يصنعونها.

وهكذا يستمرون حركةً دائبةً إلى أن يشتم الشاتم مشتوماً، فيثور المشتوم ويرد الشتيمة، فيعمد الشاتم مجدداً إلى دفع المشتوم إلى النار تحت الدست!.. (يشعط) الشعر وتنطلق رائحةٌ جديدة في حريق جلد آدمي، فتصرخ امرأة طالبةً من الله أن يمحقهم!.. ويندفع رجالٌ فينقلب الدست ويندلق اللحم والدسم على أرضٍ وعلى نار فتختلط اللحوم المرقية بالسخام والتراب، وتتورد جلود أرجل بعض الرجال والأولاد، ويصبح كل شيءٍ مسلوقاً في كل شيء..

يعلو الصراخ في الدار حتى مدارات الأقمار، فيسود البلدة شرر يتطاير من دار إلى دار وكله يصيح:

- أنتم بلا شرف .. أولادكم مقرفون.. بصاقي في أفواهكم..

- ابنتي أكثر شرفاً من أجنّتكم.. ورجالكم ليسوا رجالاً..

- اذهب وابحث في تاريخ أمك.. وعن أبيك بين الرجال..

- جدي كان سيد رقابكم!.. وأمي كانت تبول على قبوركم..

اختلط كل شيء في كل شيء.. اشترك كل العقلاء إما في السباب أو التدافع أو المصالحة.. واشتركت كل النسوة في الزعيق والصراخ ولوك الكلمات الشحّارية واختراع عبارات الولولة.. وتبادلت الصبية الضرب بالقضبان والحجارة، وبكت الفتيات الصغيرات..

ووقفت القطط والكلاب مشدوهة مما يجري، وتتحدث بين بعضها قائلة:

- هذه فرصتنا لنأكل طعام هذا الإنسان الأحمق!..

*           *              *

-11-

وقف الشاب الذي ينتظر المساء مشدوهاً كالقطط والكلاب، رائحة الطعام الممتزج بالحجارة والتراب تعبق في أنفه، وخلْطُ الأشياء في الأشياء يجري أمام عينيه ويخترقه حتى مجرى العظيمات في لحمه.. ثم تزول دهشته ببطء شديد ويبرز لديه تساؤل وتوثب أحمق آسر يشد في شعرات رأسه حتى تمتد وتنتصب كالإبر في جسم القنفذ، (أبي الإبر)..

هذا التساؤل الذي أسره ووفّز شعره كان يقول:

- هل يمكن لدم الفراش أن يختلط بدماء الطريق المهدرة على مذابح اللعنات؟!..

ولم يكن لديه أمر يفعله سوى أن يطلق الدمع في عينيه ويجري صائحاً بين الناس:

- الهدوء يا ناس .. نحن في فرح.. اتركوا أحقادكم ليومٍ آخر.. هذا اليوم هو يوم الفرح!..

ولم يكن الشاب الذي ينتظر المساء يدري أن هذا اليوم،

كما هو يوم الفرح، كذلك هو اليوم الأنسب لإطلاق وحوش الأحقاد من قفصها ولجامها..

*           *              *

 إلى أن بدأت الشمس ترسل شفقها الأحمر، كانت الكلاب والقطط قد لاكت اللحم المبعثر بين الحجارة والتراب المغسول بالمرق ودم ابن آدم..

أمهات الشباب تشققت محاجرهن وثياب صدورهن وبرزت مناحي الأثداء المترهلة التي غذت الشباب عندما كانوا رُضّعاً.. وسواعد الآباء تحمّرت وتزرّقت بخلائط من اللحم والبصاق وسوائل الأطعمة الحارة..

والشباب وجدوها فرصةً لعرض العضلات، وللتباهي أمام النوافذ المواربة التي تخفي وراءها روائح عطر الإناث الثلاثين المقبلات، ومازالوا يعرضون عضلاتهم إلى أن تحول لون بعضها من لون الجلد إلى لون الدم.

والأخت الكبرى وقريناتها وجدنها فرصةً لإطلاق الأصوات، ولاختراع الأنغام في اختراق الصمت، وللبحث في تاريخ الفضائح، ولإيجاد العذر في شق الأثواب وإبراز اللحم الخبيء الجائع للهواء..

أما الخوف فقد كان يمارس لعبة الدخول والخروج في مصادر أعصاب الأطفال الطرية..

وأما الكلاب فقد تحولت إلى ذئاب.. وأما القطط فقد تحولت إلى نمور..

وبدول أن تنطلق الرصاصات من أجل الدم، أصبحت تنطلق باتجاه الدم..

*           *              *

 

 

-13-

وقف رجل على مرتفع صغير ونادى:

"أيها الناس:

أيها الناس، كفى!.. والله، والله قد كفى.. ادخلوا أظافركم في محاجركم فهي تؤلمكم كما تؤلم غيركم!..

" أيها الناس، فلتعلموا أن القطط والكلاب اليوم قررت أن تبدأ موسم التزاوج بدلاً من البشر قبل الأوان لأنها فرحة بخير عميم أتاها.. قررت أن تزيد من أعدادها فهي ترى أنها خير منا..

"أيها الناس، فلتعلموا أن لا أحد الآن يستطيع تمييز الدم الذي انتظرناه مساء من الدم الذي خرج من القلوب في الطرقات..

لقد انطلقت رصاصاتنا ولم يبق منها ما يكفي لاحتفالاتنا بأفراحنا الليلية..

"أيها الناس، فلتعلموا أننا ما عدنا نعرف الرصين من العنين، ولا الباب المفتوح من الباب المغلق، ولا لون السوائل الداخلية من السوائل الخارجية، ولم نعد نميز آثار الأسنان المغروسة في اللحم، أهي أسنان الكلاب أم أسنان القطط أم أسنان البشر!..

"أيها الناس اعلموا أن الذي شتم لم يعد يعرف لذة الشتيمة، وأن المشتوم اعتاد على سياطها، وأن لا فرق بين المر وغصن الريحان.. فكلها ما عادت تبعث الآلام والأفراح، فقد ضاع الإحساس في عالم آخر غير عالمنا..

"أيها الناس اكتبوا على شواهد قبوركم أنكم متّم يوم الفرح، وعشتم يوم الدخول في عالم تلمع فيه أسنان الجرذان..

"تذكروا أيها الناس أن المحبة وضعها الله فيكم، فنقلتموها إلى صفحات الكتب ثم بلتم على تلك الكتب وقلتم إنها قذرة..

"عودوا أيها الناس إلى صفاء عيونكم، اغسلوا عاركم، اخلعوا أسنان جرذانكم، اقتلوا الشر في داخلكم، أعيدوا زراعة الأرض والأطفال.. واعلموا أن لا شيء يبقى سوى الكلمة الطيبة .. أيها الناس!.. أيها الناس.."

 كان الرجل الحكيم يلقي خطابه وقد وطأت قدماه مرتفعاً في ساحة البلدة.. كان يستجمع قواه الصوتية، ويغرس المعاني في تقاطيع وجهه، ويدور بمحاجر عينيه ذات اليمين وذات الشمال..

ولكن لم يكن حوله من يستمع سوى بضعة حيوانات لم تعد مهتمة، وبضعة حشرات تقفز وتتطاير،.. ولم يكن في المكان سوى بضعة سكاكين ذات أطراف حمراء مبعثرة في الأنحاء.. وبضعة طلقات خبيئة الرأس..

أما الناس فكانوا يبحثون عن أسلحة أخرى..

والأب ذهب باتجاه المقبرة، والأم ذهبت تقصد مخزن القماش تستر به لحماً مترهلاً، والأخت الكبرى ذهبت تبحث عن رجل لم تمت أعضاؤه بعد، والأخ الأكبر أخذ ينتحب على صدر زوجه، والشاب راح يبحث عن طريقة ينال فيها فتاته قبل الأوان،… أما اللصوص فنقلوا ما تبقى في المخازن..

وأما الكلاب والقطط فقد شبعت فراحت تنبح وتموء باحثة عن لذائذها الأخرى..

وأما الجرذان فقد وجدت أن الدماء الآدمية لذيذة ففرحت وأقامت مؤتمراً تبحث فيه عن الطرق المثلى للحصول على تلك الدماء واخترعت من أجل ذلك ممصات خاصة..

*           *              *

-14-

كان لا بد أن ينتهي ذلك اليوم!..

بدل أن يشمل الفرح ثلاثين أسرة، شمل ثلاثة.. لم يعد هناك رصاص ينطلق من أجل الدماء البكرية.. فاكتفى البعض بأن يعلن القماش الأبيض المبقّع على باب الدار..

ما عرف الناس لون دم الرجال من النساء من العذارى.. كله دم.. ضاعت الوجوه..

 هدأت العاصفة التي هبت ذلك اليوم فحرقت الأقدام والقلوب..

كان الشاتم إنساناً وكذلك كان المشتوم..

كان القاتل إنساناً وكذلك كان المقتول..

كان الإنسان هو الخارق.. وكذلك كان هو المخروق..

الإنسان هو الذي أشعل النار.. وهو الذي كان وقودها..

الدماء تنطلق من دم الذي يحمل السكين وكذلك من عروق الذي تنغرس فيه السكين..

وبالتأكيد فإن الجرذان لم تجد أي فرق بين أي دم مسفوح وأي دمٍ آخر..

*           *              *

-15-

بحثتُ عن قلم أكتب به.. بحثت بعينين وانيتين.. تقرح جلدي، ونزفت عروقي وأنا أبحث..

كتبت كل قصائد الشعر وكل قصص الحب.. تجنبت كتابة قصص القتل والذبح والسلخ..

كتبت الأنسامَ، وأوراق الشجر.. كتبتُ عن هدوء الليل وأنغام السحر.. كتبتُ بماء الزهر على ضوء القمر.. كتبتُ أنني عاشقٌ للحب يجري نقياً بين أبناء البشر..

أرسل الله الظلام ليعود الناس إلى دخائلهم فيرونها بالبصيرة، ويعلموا أن الحياة تحب عرسنا  أن يكون في ختامه كما في بدايته..

جلست في الظلام، تمددت وارتخيت، ونظرت إلى فسحة السماء الهائلة، فعلمت كم أننا صغار، وشممت رائحة عطر يهب علينا من جبل لم يلوث، فعلمت كم أن رائحتنا كانت عفنة.

أمطرت السماء، أمطرت السماء إلى أن اغتسل كل شيء.

جرت المياه أنهاراً أخذت في طريقها كل ما هو أسود.. أمطرت السماء، وكنت أحس أن النسمة تولّد قطرات، وأن الحجارة تلد نميراً، وأن الأشجار تتمايل وتتزاوج وترقص وكأنها في عرس بديل..

أطلقت خطواتي تحت المطر، فأطلقت السماء برقاً ورعداً، وامتزجت أصوات تلامسات الأغصان بإيقاعات حبات الماء، بأنغامٍ عَرَفَها الصوفيون، بكل ما هو مدغدغٌ رعّاشٌ يدخل الجلد والعرق والعصب والعظم بليونةٍ ومحبة ولذة..

أحسست بنفسي أنمو وأمتد وأملأ العالم.. ثم أتحول إلى عالم أخضر..

وبينما تترنح خيوط الفجر الأولى تميل الدنيا نحو الهدوء.. فترضع الأرض لذة المطر، وتمتص هديل النسمة..

وعندما أحس بأن الشمس على وشك البزوغ أرى بأنني على المرتفع الذي وقف عليه رجل الحكمة وحيداً، وأمامي امتدادات خضراء، وشجر منتصب بلا نهاية، وجداول مائية نقية، وعصافير تنتقل أسراباً.. وحفيف يدخل القلوب.. وأناس تلبس الأبيض.. طيورٌ ملونة ترفرف وتختطف الآفاق.. رأيت الوجوه نظيفة نظافة الأنبياء..

فأدركتُ أنني في عالمٍ جديد…

-=-=-=-=-=-

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

 

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm