عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

" كل الكتب تدعونا للمحبة!..

ونحن منذ زمن بعيد لم نقرأ في كتاب." 

نيقوسيا 16/8/1998

الألوان المُبَقَّعَة

عندما كنت أحبو قالت جارات أمي:

- إن هذا الصبي، ما شاء الله، كطعم السكر.

وعندما كنت أجري في حينا الضيق القذر المعتم كان أزواج نسوة الجيران يقولون لأبي:

- هذا صبي حيوي كثير النشاط في وجهه ملامح العبقرية.

وعندما كنت أنضم إلى تلاميذ القرية، كان المعلم والوافدون يقولون:

- هذا الصبي نابغة في كل مواد الدراسة يحفظ قصيدة الشعر من المرة الأولى ويجد حل مسائل الحساب قبل معلمه..

وعندما تخرجت من الثانوية العامة فرحت أمي وقالت:

- الله يرضى على هذا الولد فقد أرضاني..

وابتسم أبي في مقهى البلد وقال:

- بيض الله وجه هذا الولد، فقد حصل على الشهادة الكبيرة وجعلني أفخر به وأمشي تيهاً وسط الناس قائلاً إن ابني كان الأول على كل القرى المجاورة..

وعندما كنت أقف حائراً في شوارع المدينة.. أبحث من خلال الضجيج والدخان عن نفسي لأرى فيما إذا كان علي أن أتابع الدراسة الجامعية، أو أبدأ العمل.. جعلني قِصَرُ حال الحيلة أفكر في العمل، والطموح إلى مرتبة أعلى جعلني أفكر في متابعة الدراسة.. وبعد التنازع في داخلي قررت أن أعمل وأتابع الدراسة، واعتبرت أن هذا القرار هو أفضل ما يمكن عمله ضمن الظروف التي أنا فيها..

قال لي صديقي: أنت أحمق، اعذرني، فرغم علاماتك التي تؤهلك لدخول كل الكليات تسجل في كلية العجزة!..

أجبت صديقي: أريد أن أعمل، وكلية الحقوق لا تفرض الدوام الكامل. أنا أريد أن أجمع العمل إلى الوظيفة، وفي هذا عدل تجاه أسرتي، فلا أحمِلُ قرار التوقف، ولا أحمِّلُ عائلتي قرار امتداد المسؤولية..

ردَّ صديقي بسخرية:

- انظر يا عزيزي إلى مصلحتك!.. الطبيب يكتب الآن خطين في صفحة صغيرة مقابل أجرة عامل عن أسبوع.. بل قل أجرة محام فاشل عن قضية تدوم لديه شهوراً.

قلت مفترضاً في نفسي الذكاء:

- لماذا تضع الطبيب الناجح مقابل المحامي الفاشل؟ لماذا لا تفترض العكس!..

والأمر في كل الأحوال ليس في يدي!.. اترك شيئاً لمجرى الأيام.. اترك الأمر كله لرب هذا الكون كله!..

كان أبي وأمي يقولان في لقاء مع كل إنسان:

- ابننا الوحيد الذي يدرس ويعمل، هو دائماً الأول في الدراسة والأول في العمل!..

- ما شاء الله.. ما شاء الله.. كنا نقول دائماً إن هذا الولد شعلة جيله وقنديل البلد!..

ولكن أبواي كانا دائماً يخشيان سؤالاً يتردد على لسان جارتنا المكسوة بالألوان والمحشوة بلحم الخرفان:

- ولكن كم هو مرتب ابنكم؟ وهل له مداخيل أخرى؟..

وحينما كان أبواي يترددان في الجواب، كانت الابتسامة تتعمق في وجه الجارة التي تتابع حديثها:

-.. في وظيفة تتعلق بمصالح الناس مثل وظيفة ابنكم، يمكنه أن يصبح أغنى الناس في سنوات قليلة.. حتى بدون مرتب على الإطلاق.. اتركوني أتحدث معه.. سأعرفه بصديق زوجي الذي يفك الخط ويفك رقاب الأغنياء كما يفك أحجيات منابع المال!.. دعوه لي!..

في يوم كانت فيه أمي منهمكة بإعداد الطعام لأقرباء قادمين في المساء، وكان أبي يسقي شجرات بستاننا الوحيد الذي نبضت ثماره في دمائنا، في ذلك اليوم جاءت جارتنا الملونة التي تثغو الخراف في أحشائها.. جاءت وجلست، وأفاضت في التنقل في المواضيع المنوعة، منها ماله علاقة بالطبخ والزينة وترتيب المنزل، ومنها ما يمس قضايا الثروة التي هي الوسيلة والهدف في آن واحد..

وحينما اضطرت أمي أن تنكفئ في المطبخ.. الذي يعمي القلب كما تقول النسوة- انفردت بي تلك المرأة.. فتحت علبة الألوان، أعادت تجديد ألوانها، ثم ابتسمت ابتسامتها المعهودة والتي كانت تحمل في طياتها استعلاء وسخرية خفيفة..

- إيه! قل لي بحق!.. كم هو مرتبك؟..

لم تنتظر إجابتي وتابعت بغنج امرأةٍ، أسميها امرأةً، ولكنني أتردد في أن أصفها بالأنثى، هكذا بلا تحفظ!..

لم تنتظر، بل تابعت وكأن جوابي المتردد لا يعنيها..

-.. مهما كانت مرتبك على أية حال فهو تحت خط الفقر!.. ولو قلت لي إن شهادتك الجامعية ستضاعف مرتبك بضع مرات، فسيعني ذلك أنه سيكون بضع مرات تحت خط الفقر!..

قهقهت المرأة وكأنها قالت نكتة حاذقة، ثم حدقت في وجهي وأرسلت طلقات من نفسها ودماغها وكأنها طلقات مدفعية حارقة..

- اسمع أيها الذكي.. زوجي وصديقه عملا العجب، لماذا لا تنضم إليهما.. عندهما في مجال الاستيراد والتصدير والمناقصات والمشاريع والعمولات ما يكفي للكثيرين.. وأنا قد اخترتك لتكون عندهم تتعلم منهم وتستخدم ذكاءك، الذي يبدو لا اكثر من فطري حتى الآن، في تغيير معالم الأشياء، وأخذ نصيبك من أجل أهلك ونفسك وابنة الحلال..

ابتسمتْ وأردفتْ بمكر..

-.. رأيتك تنظر إلى صدر الفتاة ذلك اليوم!.. أنت شقي، وأنا لا ألومك، فالشاب يشغله مستقبله والمرأة.. وكلاهما بدون الماٍل يصبح كالمطر الشحيح في الصحراء على الرمال.. لا حب يا بني دون ذهب وكساء وعشاء.. وبناء وجاه وسيارة تتأرجح وتقول ها أنا ذا.. كل الرجال يحبون ذوات الصدر العامر، ولكنهم لا يصلون إليه إلا برسم الدخول، وقد اصبح الرسم باهظاً.. لا يكفيه لا راتبك ولا راتب كل زملائك،.. إنك لا تتحدث!.. لا تقول شيئاً، وكيف لك أن تقول وأمور الحياة التطبيقية تختلف عما تعلمته في مدارسك..

قررتُ أن أقول شيئاً يظهر امتناني لها واكتفائي، بل ربما تبرمي بالحديث، أحست هي بذلك فتابعت..

- .. أنا مثل أختك الكبرى، اسمع مثالاً حقيقياً. منذ بضعة أيام سهرنا أنا وزوجي وصديقه وزوجته في مكان عظيم يسهر فيه كل علية القوم الذين يملكون مفاتيح الخزائن، سهرنا وكان الجو جميلاً والأكل منوعاً رائعاً، والمطرب يشدو كما لم يفعلها من قبل.. والراقصة تبدع..

أخذ الرجال يتنافسون في دفوعاتهم النقدية.. وكان علينا في وقت ما ان نبذل، و(الحجية) الراقصة (تشوبش) علينا، إذ لم يكن لدينا مناص.. لقد أحرجونا.. فطوقنا عنق المغني والراقصة بعقدين يضمان أضخم الأوراق النقدية وأكثرها عدداً.. عندها صفق لنا الحاضرون، ولم تنته الليلة إلا وقد حصلنا على بضع صفقات جديدة!..

تصور أيها الذكي، أن كل صفقة من هذه الصفقات تعادل كل دخل من وظيفتك، وعملك محامياً العمر كله..

تابعت المرأة الملونة حديثها، بينما غبت لحظات أتصور حفلتهم وعقود المال تطوق أعناق (الحجيات) الراقصات، ومن خلفهن المديرون والقوادون.. وفجأة تصورت نفسي أحمل عقوداً نضرة من الياسمين أطوق بها عنقي أبي وأمي.. ثم عنق طالبة الثانوية ابنة الحي حيث يرتمي العقد على نهدها، ثم يغيب ناظري في ابتسامتها الجميلة.. 

*           *              *

لم أستمع لنصيحة جارتنا الملونة، التي كانت تعتب على سوء تصرفي كلما رأتني، وتترك لي دعوتها مفتوحة لزيارة زوجها وصديقه..

تابعت وظيفتي البسيطة، وكنت أستمع إلى تعليقات الجارات الملونات يقلن لأمي:

- صحيح أن ابنكِ كان الأول في مدرسته لكنه سمج وغليظ في عمله ولا يعرف مصلحته ومصلحة الآخرين.. إنه يعرقل المعاملات، ولا ييسر مصالح الناس ولا مصلحتهن فهو حنبلي التطبيق للقانون.. إنه يمسك بالقانون من قفاه؟.. لماذا لا يفيد ولا يستفيد.. عدم المؤاخذة؟.. هذه دروشة، بل هذا حمق، بل قولي إن هذا إضرار بنفسه وبالآخرين!..

ترد أمي بحجة تحس أنها واهية:

- ابني يقول.. هو يقول.. إن القانون فوق كل شيء!.. وماذا لو خرق كل واحد القانون، أين تصبح مصلحة الوطن؟..

- يا أم ابنك، يا أم ابنك، هذا قول أحمق!.. ما هو الوطن ومن هم أبناؤه؟.. نحن أبناء هذا الوطن.. سكان هذا الوطن هم الوطن، فإذا لم تكن هناك خدمة لمصالح هؤلاء الناس فرداً فرداً فأين هي مصلحة الوطن؟..

ابنك يضر بمصلحة الوطن في النتيجة من خلال الإضرار بمصلحة أفراده!..

وتسكت أمي البسيطة مغلوبة على أمرها، ثم تقول في سرها:

- أصلح الله ابني!.. لماذا لا يفيد، ولا يستفيد، ولا يجعلنا ننهض فوق سطح الأرض.. أ صحيح أن ابني يضر بمصلحة الوطن؟!.. قال لي إنه يعمل من أجل الوطن، وهم يقولون إنه يعمل ضد مصلحة الوطن!.. والله لا أدري.. رأسي سجين الصراع.. رأسي يتفتت!.. 

*           *              *

ثلاثة أمور كنت أتابعها يومياً؛ وظيفتي، ودراستي، ثم قراءاتي في كتب كتبها السلف البعيد والقريب، في الشعر والفلسفة والقصص، وكذلك قراءاتي في مترجمات كثيرة عن الآداب العالمية والفكر القديم والحديث..

أحببت وظيفتي رغم ضآلة المردود، لأنني من خلالها بدأت أسبر أغوار المصالح، وأحببت دراستي في القوانين والشرائع والنظم والمحاكمات، تلك الدراسة التي رأيت فيها إنجازاً بشرياً من أجل تنظيم الميول البشرية المشتقة من الغابة.. كما أحببت القراءة إلى حد اعتبره الآخرون أنني مريض أو في رأسي خلل..

قرأت مئات الكتب إضافة لدراستي الجامعية، أُفْقِرُ جيبي فوق فقرها ولكنني كنت أحس بالغنى في مكان آخر في رأسي..

تحدثت إلى ابن أبي سلمى وأصحاب المعلقات، وناجيت ابن خلدون وأمثاله، علمت أخبار ابن الهيثم والرازي وابن سينا والخوارزمي، صادقت المتنبي والبحتري وأبي تمام والحطيئة.. بكيت على أعتاب عنترة وقيس ليلى وكثير عزة وسيرة بني هلال..

قرأت سيرة النبي الأعظم وخلفاءه، قرأت عن سلوك المسيح ومحبته للناس حتى أبعد حدود التضحية.. قرأت عن فناني العالم، عن أدبائهم، عن قصص الكفاح الإنساني، عن الرافضين للظلم.. قرأت عن علماء الطب والطبيعة، صادقت محبي الأدب، صادقت محبي العلم.. صادقت محبي الوطن.. صادقت روح جول جمال الذي قذف بنفسه وبطوربيده في صمم البوارج المعتدية.. من أجل هذا الوطن، ولا أعتقد انه قدم لائحة بمطالبه من أجل ذلك..

مرَّ أمامي سيل هادر من البشر في كل عصور البشر، وكل أصقاع البشر.. ذلك السيل كان صافياً تحفه شجرات خضراوات مزهرة تسكنها عصافير تغرد وتزقزق وترقص في موسم الفرح..

في كل ما درست، وكل ما قرأت، لم أجد سطراً واحداً يتحدث باللغة التي تحدثت بها جارتنا الملونة.. ولم أجد رسماً واحداً لمغنٍ وراقصة يطوق عنقاهما بعقود الأوراق النقدية الكبيرة التي رسمت عليها معالم الحضارة في بلدي!.. 

*           *              *

مرت الأيام..

مرت بضع سنوات، جارتنا (تنق) على امي لتدفع بي كي أرافق زوجها وشريكه.. وأمي حائرة..

وأنا، في قميصي الذي لا يتبدل، وفي بنطالي الذي يزداد ضيقاً، وفي جيبي التي يكبر فتقها.. أسير سعيداً أحلم بصدر ابنة الحي وابتسامتها.. وأحلم بأنني سأكون مثل المعري يذكره الناس وينهلون من شعره!..

في صباحٍ باكر، حيث اعتاد أبي على مغادرة البيت إلى الحقل، استيقظت ورافقته، وعجب هو لتلك الحركة من ابنه، ولكنه كان سعيداً بها..

- أي بني، رغبتَ اليوم أن ترافقني إلى الحقل وليس الأمر من عادتك، فما الذي جرى؟..

ابتسمت وأنا أسرع الخطوات..

- لدينا اليوم وقت إضافي حر، وهذا لا يحدث إلا مرة كل سنة، فقلت في نفسي أستفيد من ساعات البكور والوقت الإضافي لأرافقك وأتحدث معك.. فأنا في كل يوم أتحدث مع كل الناس إلا أنت!.. كأنه ليس لديك عطلة يا أبت!.. وكأنه ليس لديك عيد!..

- أنا سعيد بمرافقتك لي وسعيد بماقلت، ولكني أحب أن أوضح لك إن الأرض والدواب والشجر والطيور لا تعرف العطلة وبالتالي فأنا الذي أرعاها لا أعرف العطلة أيضاً.. هل تتصور عصفوراً مثلاً يتوقف عن نقر الحب لأن اليوم عيد أو عطلة؟..

لا أدري لماذا خطر في بالي أن أتابع جملته بنفس النغم ونفس الأسلوب،.. تابعتُ:

.. وهل تتصور أن الشاة تتوقف عن إطلاق (بعراتها) لأنها في حضرة الوالي؟!..

ويتابع أبي بحماس:

- نعم، نعم هو كذلك.. إنك تفهمني يا ولد!.. إنك ابن أبيك!.. والله إنك ابن أبيك!.. ولكن.. قل لي، ما هو سبب مرافقتك لي في هذا الصباح؟..

سكتُّ لحظات!..

كان الصباح ندياً رائقاً يدخل اللحم والعظم ويسكن في الخلايا يبعث بها لذة حتى حدود الخدر المنعش.. الليل عالم آخر داخل أنفسنا وعقولنا الباطنة.. والنهار عبث وصراع ومحاورات ضاعت فيها أبناء آوى!.. ولذا فقد أحببت الصباح الممزوج بأحلامنا قبل أن يفتتها الآخرون..

تابع أبي:

- جرب يا بني أن تستيقظ هكذا كل صباح.. صلِّ الصبح، وادع الله فهو أقرب إليك من أقرب قريب.. أحسس الله في جوارحك فهو ملجؤك الحصين..

أحببت كلمات أبي.. فزادت سعادتي بالصباح الباكر ونداه، وشعرت بارتباط قوي بين كلمات أبي وقراءاتي وهذا الصباح..

تابع أبي:

- ولكنك لم تجبني!.. ما هو سرك يا ولد؟.. ماذا في جعبتك لتقول لي هذا اليوم بالذات..

تابعت صمتي.. فانتظرني أبي، ثم بدأت أقول له:

- يا أبت! أنا في حيرة!.. تعلم أني دارس جيد، وقارئ جيد، وموظف جيد!.. هكذا أنا أرى.. ولكن الآخرين يرون غير ذلك!.. توقف أبي، الفلاح ذو الجسم الصغير، الرجل القريب من الله في كل لحظة، توقف وحدق في عيني ثم تابع!..

- هل تعرف الله يا ولد؟!..

أذهلني سؤاله.. وحيرتني عيناه بلونهما الأسود الغامق..

سألت نفسي سؤالَه.. وترددت لحظات ثم قلت:

-.. ماذا تعني بسؤالك بحق الله؟..

أعاد سؤاله بحدة أكثر..

- هل تعرف الله يا ولد؟..

- نعم أعرفه، فهو خالق الأكوان، منه وإليه المصير..

هدأ قليلاً، وتابع بنبرة أبوية تفسيرية إيقاعية جادة:

- بابني، معرفة الله ليست في مقولة وحسب، هو خالق الأكوان منه وإليه المصير،

هو في كل مكان يراك، فهل احتسبت لذلك سلوكك؟!..

هو قبل بدئك فهل اتقى أجدادك في بدايتك؟.. وهو بعد انتقالك إلى عالم الخلود، فهل اتقيت في دنياك؟.. هل أحسست به يراك ويرى كل شيء..

- أعلم ذلك يا أبي.. لكنني يا أبت أعمل كالحمار وأقرأ كالمهووس، وأرى الله في سكناتي وحركاتي.. والناس يرون أنني تافه وأبله لا أعرف مصلحتي ولا أعرف  مصلحة الآخرين.. حتى أنهم يقولون- جارتنا الملونة تقول- إنني لا أعرف مصلحتي.. فأنا بكل دراستي وذكائي لا أعرف كيف ألتقط رغيف خبز سوى من مرتبي الذي لا يبني بيتاً، ولا يرضي أنثى، الناس لا تقرأ ولا تحترم من يقرأ أو يكتب!.. بائع الكتاب فقير وكاتب الكتاب أكثر فقراً..

ويرد أبي بحزم:

- الفقير فقير الأخلاق والذمة والعمل الصالح.. هي الأمور التي تبقى بعد الإنسان ويفخر بها يوم القيامة.. قل لي عن مخلوق ما من صلب آدم حمل معه إلى قبره حجارة بيته أو ساعته الذهبية أو غرفة نومه أو سيارته الفخمة أو فخذي زوجته؟!..

صمت.. صمت طويلاً وأنا أسير إلى جانبه..

هناك في الحقل تمددت بكامل طولي على الأرض وصدري لها أحتضن إياها بساعدي الممتدين، حيث يلامسها كل عضو من أعضائي وحيث أشم رائحة الأرض ويلامس وجهي الحشيش البض الطري.. فيمتد لساني ليذوق طعم التراب.. 

*           *              *

تخرجت من الجامعة، فصفق لي الناس..

تزوجت ابنة الحي ذات الصدر العامر.. فهزجوا لي وأدخلوني وإياها غرفة معطرة..

وأمضيت بضعة أيام من التهاني و القبل، وأبي وأمي فَرِحان:

- كيف حالك ياعريس؟! وكيف أنت أيتها العروس الجميلة؟!..

وجاءت جارتنا أم الوجه الملون، تحادثني، وتحادث زوجتي ثم تحادثني بمنطق هو ذات المنطق..

أنا صاحب عيالٍ الآن، وصاحب شهادة في الحقوق.. أفهم القانون.. دارس  واسع الإطلاع.. ولكن زوجتي تريد ثوب سهرة مطرز يمسك بالألباب.. ومركزي العلمي والثقافي يحثني على تغيير بيتي واستئصال مظاهر الفقر والجوع..

كثرت زيارات زوجة جارنا.. إلى أن دخلت ذات يومٍ بيتي، بيت أبي وأمي فوجدت زوجتي الجميلة التي أحبها، تبكي وتندم على اليوم الذي تزوجتني فيه، فأنا قفة من البطء والتباطؤ.. لا تراني أتحرك من أجل تحسين الحال؟..

- وكيف أفعل أيها المصباح الذي ينير حياتي؟!..

- افعل كما يفعل الآخرون.. كما تقول جارتنا!.. لماذا لا تساعد زوجها وشريكه بعد الظهر؟!.. لماذا مثلاً لا تكون مستشارهم القانوني؟..

- لو أرادوا مستشاراً قانونياً لفعلت، والله لفعلت، لكنهم يريدون مني أمرين: أولهما أن أجعل مواطئ أقدامهم سهلة من خلال وظيفتي.. وثانيهما الذي أضافوه مؤخراً هو أن أجد لهم المنافذ القانونية للقفز فوق القانون.. وأنا لم أتعلم ذلك.. لم أقرأ ذلك لا في كتب الجامعة ولا في كتب التراث العربي.. ولا في كتب التراث الإنساني كله.. أنا لا أعرف الطريق إلى ذلك.. لم تعلمني أمي.. ولم يعلمني أبي..

وتجيبني زوجتي بنبرة ساخرة:

- .. أمك وأبوك.. لم يأتنا الهم إلا منهما.. أنت مثلهما.. أنا لن أعيش أبداً في هذا البيت بعد الآن..

شدهت من أعماقي.. وبقيت في مكاني.. أحست هي بما يعتمل في داخلي.. فتأنّت، ثم، وفي حركة حاولت أن تبديها فطرية، خلعت ثوبها مظهرة صدرها الغني.. ثم أطلقت الرذاذ المعطر على عنقها.. واقتربت مني مبتسمة، وقالت:

- ألا تريد أن ننام..؟..

أرادت أن تحتوي مشاعري، فاحتوت عنقي بين ذراعيها، وأسلمتني لرغبة الحيوان في داخلي..

ولكنني انتفضت قائلاً بصوت مرتفع:

- ابتعدي عني..!..

أحسست بعطرها ينقلب إلى رائحة العفن ، وبصدرها ينقلب إلى كتلة من الصديد، وبيديها تنقلبان إلى مقابض فولاذية..

تمددت على الفراش، هي بجانبي، لكنني كنت (أتنهنه) بالبكاء..

*           *              *

مرت الأيام..

تبدلت زوجتي مع الزمن.. تحولت من ثمرة مرة، إلى ثمرة حامضة، ثم إلى ثمرة حلوة..

أصبحت رائحة جسدها لا تحتاج إلى عطر، وصدرها لا يحتاج إلى دعائم، ويداها وسادتان طريتان..

أصبحتْ كالقلب يدفق الدم إلى كل الجسم ويكتفي بالقليل منه..

أصبحت كالرئة تتنفس الأوكسجين من أجل غيرها..

كما تحولت إلى جذر أعظم شجرة في الدنيا يتمسك بالأرض يرضعها ليبني الأغصان والأوراق والزهور والأعشاش والحفيف الشجي في الأعالي..

عندها أحسست بأنني أحب زوجتي..

لم تعد جارتنا الملونة تأتي.. فزوجها غاب بلا مصير.. وأصبحت هي قرمية الداء..

كنت مازلت في وظيفتي، وفي بيت أهلي، ومع رفيقة العمر، عندما أحسست أن التزاماً ما يقع في عنقي..

عصر كل يوم كنت أذهب إلى الحقل خلف أبي في مسعاه أولاً ثم بجانبه ثم بدلاً عنه.. أحببت الأرض وأحبتني.. حضنت الشجر ففاء علي..

وعدت ذات يوم إلى بيتي أحمل مبلغاً جيداً من المال أقدمه لأبي وأمي وزوجتي، قائلاً:

- هذا عطاء الأرض!..

وسألني أبي وهو في فراشه راقدٌ، ولكنه سعيد إلى حد الدمع:

- كيف وجدت الأرض؟..

- إنها.. إنها عطاء الله للإنسان!..

- هل عرفت الله يا بني؟..

- عرفته في قلبي وفي يدي.. عرفت البدء والنهاية.. عرفته الخير والمحبة.. عرفته في حب زوجتي، في صدر أمي، في قلبك الكبير يا أبي..!..

كانت فرحة وسعادة طغت على كل الدنيا.. كانت فرحة تكفي زاداً إلى الأبد..

نادت أمي وهي مملوءة بالابتسامة من خلال ضعفها وعجزها:

-.. زوجتك تحمل لك في بطنها هدية!..

غمرتني موجة جديدة من الفرح، وأنا أرى أهداب زوجتي تتأرجح، بينما تساقطت دمعتان من عيني حتى أسفل ذقني فرحتان بعمق تاريخ الإنسان، وبحلاوة ماء نبع صافٍ ينبثق من أرض أجدادي…

-=-=-=-=-=-

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm