لعلي أركب حصان الأمل ، و أتساءل كل الأسئلة ،
فأجد الجواب عند دافنتشي و موناليزا ، و أرى
أحلامي التي لا أدري إن تحققت ..
أم بقيت في دوائرالكوابيس . .
نيقوسيا 2\7\1977
الأحلام
((مازال مطبوعاً في أعماق ذاكرتي كيف كنا نلح على أمي ونحن في مطلع الحياة كي تحكي لنا حكاية الشاب الذي كان عليه أن يجتاز وادياً مليئاً بالغيلان حتى يجلب لمحبوبته هدية تهبها السعادة .))
(1) الحصان:
أطنان من الفحم والمازوت تتنفسها رئة المدينة ، وعندما تبكي السماء تسود قطرات الماء فيبتلعها أديم الأرض قطراناً والطين الكالح يتلبد بقدميّ فتتعثرا ، وتلتصقا مثل عصفورين اصطادهما الدبق .
يلتف الشارع ويتعرج راسماً من نفسه أفعوانا أسود اختلطت أحشاؤه بجلده وتفجرت جوانبها فمزجت السم بالقيح بالأحوال بخطايا الانسان .
كان عليّ أن أجتاز الشارع ، فليس هناك من ممر سواه الى حيث يقولون إن هناك في الجانب الآخر من المدينة يبحث الآخرون عن الطين فلا يجدونه وقد أضحى أندر من فرج عذراء . قالوا لي مرة إن من يبتغي مدينة الكهرباء والزنابق عليه أن يشتري حصاناً قوياً طويل القوائم ، عضلاته نوابض من حديد تقفز به فوق الأسطحة و تتسلق الأشجار ، بينما تستطيع شعرات ذيله صيد الذباب و طرد صبية الحي .
في إعلانات الجرائد رسوم كثيرة لأنواع مختلفة من الأحصنة . . يقولون تحتها جميعاً إنها أفضل الأحصنة في العالم . . تستطيع أن تصير بقفزة واحدة في جانب المدينة الآخر ، ولا تحتاج لعرق أو دموع أو دماء . . كلمسة السحر تقفز . . كترياق الكوابيس تشفي . .
وللحصول على حصان منها لا يطلبون الكثير . . كانت أرخص الأسعار ، قلبك ودماغك ، وأجمل ابنة من بناتك .
حكى أحدهم لي كيف اشترى حصاناً ، قال: جوفوا صدري وجمجمتي و اقتلعوا كلتا عيني وركبوا امرأتي و ابنتي ، وأعطوني حصاناً ما عرفت لونه أو حجمه أو رائحته . ما سمعت صهيله ، ولا أحسست بحركة مفاصله . .سرى بي الى حيث لا أدري . . إنني لا أدرك الآن فيما إذا كان الحصان مازال معي أم باعوه لغيري .
معبر الشارع وحيد ، أخدود إجباري ضيق ، لعلي أختار الاضمحلال الى الصفر يوم أن كان الوجود صفراً . أضع قدمي في زلة الطين فتغوص ، أستند الى جدار عتيق طيني مبلل فتنقلت أجزاؤه وتنقبع معها كتل الديدان المتداخلة المواجه تلتف حول ساقي عطشى و تأمل في منبع غذاء جديد .
كيف أشتري حصاناً و كل الأحصنة قد نفقت؟ قالوا إنهم يصنعون لكل إنسان حصاناً فأين ذاك الذي لي؟
قبل أن أدخل هذا الشارع عروني من ثيابي وتحسسوا جلدي ، ووضعوني على ميزان و أدخلوا أيديهم في جوفي . . تلمسوا قلبي و كبدي ، قالوا لا بأس به . . ثم دفعوا بي الى الممر . .
إذن باستطاعتي شراء حصان ! . . مزقوا قلبي و قطّعوا كبدي و انتزعوا عيني ، و اغتصبوا كل أولادي . . ودفعوا بي باتجاه مدينة الكهرباء و الزنابق .
و أمضيت السنين أزحف ، وقد تحول جسدي الى أفعى . .
و عندما قالوا لي إنني على مشارف المدينة ، كنت ثعباناً عجوزاً مهترئاً اختلط رأسه بذيله ولم يكن لدي عينان أرى بهما أو قلب يخفق أو كبد يرتوي أو وليف يضمد جرحاً . . كل ماكان لدي هو الكثير من السموم . .
قالوا إنهم يستخدمون هذه السموم في صنع العقاقير .
(2) الأسئلة:
لعل في الانسان كل المجهول ، وكل المتناقضات .
فلماذا يفقأ أوديب عينيه بعد أن تحقق مما جنت يداه . . وهو لم يحد عن خط القدر ، ولماذا يتردد هملت طويلاً قبل انتقامه للجريمة التي ارتكب بحق أبيه ؟!
ولماذا يشارك بروتس ، الرجل الطيب رجل الدولة ، في مقتل صاحبه قيصر ؟!
ولماذا لايطيق أبو العلاء المعري أكل اللحوم ، وقد كرس عينيه المظلمتين و قلبه الممتلئ بالشهب ليقول للإنسان: ((خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد))؟!
ولماذا تموت امرأة في سبيل رضيعها و هو في اليوم الأول من عمره ؟! . . لماذا حروب التحرير تجتاح العالم و حروب الظلم تلتهم كل حروب التحرير؟! . .لماذا يضحك ذاك الجار بينما يبكي هذا؟ .لماذا يموت واحد من الجوع و يموت آخر من البطنة ؟ لماذا تختلج جوانح هذا المخلوق خلجة الموت ، في نفس الوقت الذي تختلج جوانح المخلوق الآخر زارعة حياة جديدة !؟ ..
لماذا ؟ وتظل كلمة لماذا على شفة أبي و ابني ، وليس لها جواب ، أكل ذلك لأن أبي ماضي كتب الطلاسم؟ ولم يستطع أحد حل هذه الطلاسم ! ..
بكى طفل صغير عندما انتزع منه زميله قطعة الحلوى ، لكنه عندما كبر كان يضحك ثملاً وهو يغرس بين نهدي الراقصة ألف ليرة !
وثار الرجل عندما عرف أن عابر سبيل قد أعجبته قامة زوجته ، فحمل مديته ولحق به . . لكنه كان يبتسم عندما كان يبيعه صاحب الأرض كل يوم هو و زوجه و أولاده و أحفاده ومقابر أجداده الى مالك جديد .
ويعمل الرجل دهره ليصنع تمثالاً من الماس و الذهب ، ثم يرضى من صاحب العمل صورة لهذا التمثال أجرة له . .
ونقول لماذا تغضب الدنيا ، وتسد الغيوم الداكنة منافذ الحياة ؟!
ذلك لأن ألف لماذا تنتصب في كل ذرة من ذرات الحياة !. .
(3) موناليزا:
((وشبيه صوت النعي إذا قيس بصوت البشير في كل ناد))
كان اللي قد أرهق نفسه ، حينما كان لا بد من أن آوى مثل بقية مخلوقات الله ، الى حيث اعتدت أن أدفن نفسي مستسلماً للأحلام .
ينام المرضى والعشاق ، ينام الصخب و الهدوء ، و أنا أبحث عن جانب مريح في الفراش ليهدأ الخفقان في قلبي و أحشائي ! فقد مضى رأس الليل و لم يأت ذيله . . كانت سويداؤه هي المهيمنة . .
وعلى بعد أمتار من نافذة بخيلة ، كان يوحي سراب وردي أن في الغرفة أسرار . .
أنا لص يبحث عن شق في شباكه يستطيع أن يجد من خلاله مخرجاً لخفقان قلبه ، فقد ضجت الخفقات في حجرة الصدر ، وكان الشق في الشباك أصغر من أن تعبر منه خفقاتي . .
ومن خلال النعاس ، من خلال المعقول و اللامعقول ، من خلال الرغبة و القرف ، من خلال الجرأة والخوف . . انتصب ساعدي و زقزقت حواف الشباك مرتاعة .
حبيبتي في هذا الليل هي موناليزا رسمها الايطالي ومات ، وعجز الآخرون عن حل ابتسامتها المحزونة .
شباكي هو مطل منزل من منازل البندقية يسرق من الليل ساعة يرى فيها موسيقا الغجر ، وانعكاس قمر هزيل على الماء الأخضر الأبدي .
شباكي هو شباك شهريار حينما تشنجت عيناه و قد رأى زوجه تذوب كتلة من شمع في حضن عملاق أسود . .
حبيبتي في هذا الليل كانت موناليزا وقد بدأت تحرك ساعديها . .
لون شقائق النعمان أحمر ، وكذلك لون الدم !
لون الوردة الدمشقية أحمر ، وكذلك لون النار ! .
ويخفق الشفق الأحمر الهارب من النافذة ، وقد خفق البارحة و الشهر الماضي وقبل عام و ألف عام .
ويرسم الضوء الواني المتسرب كل موسيقا العالم الصين و سويسرا وجزر هاواي .
صرّ شباكي ، أكان صريره ألماً ، أم متعة ؟ أم لا شيء على الإطلاق ؟! .
صر حينما أراد أن ينفتح ، وحينما أراد أن ينغلق . . حينما أراد أن يرى العالم ويكتشف الضوء المسروق من النافذة المقابلة . . وصر حينما أراد أن يطيق جفنيه . .
وتلبدت غيوم كثيفة في عالمي . . لكنها كانت توحي بالغيث ، وكانت توحي بالنزيف .!
ينغلق الشباك وتبقى آهات تتعالى تمر عبر جداري . . ويخترق الضوء الوردي حجبي . .
يخترقني الورد ، و الآه . . يمتص عينيّ ، ويعتصر قلبي ، ويسكن في خلاياي . .
وتبقى ابتسامة موناليزا . . .
هل اللون الذي يفرض نفسه في عينيّ هو لون الورد أم لون الحمى ؟! هل الآه التي تخترق عظامي هي من عزف افروديت أم من جحيم دانتي؟!
هل هي لذة أم عذاب ؟!
هل هي صرخة الحياة أم صرخة الموت ؟!
وهل تضحك موناليزا أم تبكي ؟! ..
(4) الاجتماع السري:
في اللحظة الأولى التي أخذت أشق فيها أديم الأرض لأخرج للنور و الهواء ، في تلك اللحظة رأيت كل شيء حولي عملاقاً . . أشجار متعالية ضخمة ، تصدفت قشورها ، وتفرعت أغصانها ، وتحدت الشمس . كانت كل ورقة من أوراقها الخضر المشققة أكبر من حجمي كله .
كانت هناك أشجار ضخمة تغطي مساحات واسعة كاملة من الأرض وتمنع النور عن النباتات الصغيرة . . وتمتص المياه و الأملاح من الأعماق . . وبذا تقتل كل نبتة تبحث عن حياتها تحت ظل تلك الشجرة الكبيرة . .
وكنت أنا نبتة صغيرة . . بدأت تتسع عيناي حتى كان لي في يوم من الأيام أن أرى وعلى البعد نبتات أخرى أقل حجماً من تلك . . و أكثر اخضراراً وثمراً . . فبدأت أوصالي تشدني نحوها . . لكن الجذور كانت قوية . . عالم الأشجار الكبيرة هو عالم القوة ، جذور ضاربة في أعماق الأرض تمتص و تمتص لكن الأشجار في الأعالي تمنح ثمراً قليلاً أعجفاً مراً ممقوت الرؤية.. وعالم الأشجار الصغيرة مليء بالاخضرار . . بالورد ، بالأثمار . . لكن الشجرة الكبيرة تمتد جذورها في ظلام الأرض ، وتقترب حذرة
من رقة جذور الصغيرة ، وتطلب منها بعضاً من نسغها ، وحينما تناله تطلب المزيد ، وتبدأ الشجيرات باليباس وتتضخم الشجرات الكبيرة خشباً صلباً يمنع عن الأرض الشمس و الريح و المطر و الإحساس بالوجود .
نصف الحديقة ورد ، وقد جرت سنة الحياة أن تنتقي كل شجرة وردة ، تكون رفيقتها . . إحداهما تمتص الرحيق و العطر ، و الأخرى تبني ملجأ وارتياحاً و أمناً ولذة و زغردة زهور .
حينما ارتفعت ساقي و بدأت أرى كيف تتسارق الجذور في ظلام الأرض الماء والنسغ و الأملاح و تقوم حروب الأغصان و الرياح والأمطار . . فتتساقط أوراق صفراء . . أو براعم جديدة لم ينلها اللقاح ، حينما ارتفعت ساقي و بدأ ت أرى ، أخذ وجيب قلبي يتعالى . . الرعب يملأ كل مكان! الموت بأنظار كل الأشجار . . الصغيرة أولاً . . وكثيرا ما تموت صغيرة . . ومن ثم الكبيرة نتيجة العجز والبطنة .
انتصبت أغصاني هلعاً ، ولم يكن جلدي يحميني فقد كان رقيقا ، ولم يكن طولي كافياً لأرى من أين يأتي الخطر . الخطر من خلف كل الزوايا . . من كل الأشجار الكبيرة التي تمتد عروقها الماصة في الظلام، ومن كل أفعى تسري بين أكوام الحجارة ، من الديدان المنسلة من قباب الطين من جراثيم عتيقة استعصت على الأودية تأكل الحجر والخشب و القلوب الخفاقة ، الخوف يأكل الحديقة ! .
قالوا لو أن كل الأشجار ، صغيرها و كبيرها ، ينظفون حديقتهم من الأفاعي و الديدان و الجراثيم ويتآزرون على استخراج طعامهم من أرضهم الغنية لكانت حديقتهم أجمل و أكثر أمناً . .
لكن الأشجار القوية لم ترض ووجدت ألف عذر ، ذلك بأنها لن تجد المتعة التي اعتادت عليها في تمزيق لباب الشجيرات الأخريات . .
فكان ، لقاء كل ما يجري أن قررت الشجيرات الصغيرة أن يعقدن اجتماعاً سرياً في ليل حالك .
ومنذ تلك الليلة بدأت حرب طويلة ، وبدل صنع الثمار أخذت الجهود على صنع السموم .
كانت الأشجار تعقد في كل يوم اجتماعاً في وضح النهار قائلة بأنها تسعى لإرضاع الشجيرات المسكينة، فتأخذ من كل كبيرة قطرة وتضع القطرات في فنجان ثم توزعها على ملايين الشجيرات في الحديقة ، ثم لا تلبث أن تمد جذورها أكثر تحت الظلام و تمتص أنهاراً من القطرات .
قالت بعض الشجيرات الصغيرة: إن الكبيرة رؤومة تبحث عن خيرنا ، لكنه قدرنا . .
لكن أكثر الشجيرات جعلت من عيدانها رماحاً ، و أخذت تسابق الريح باتجاه قلوب الأشجار الكبيرة . .
ومازالت الشجيرات تنزف . . ومازالت الكبيرة رغم ذلك تمتص و تتطاول . .ومازالت ديدان الأرض تأكل الجثث . . ومازال الظلام يعم الحديقة !.
(5) الأحلام:
كان لا بد من اختيار وردة ترافقني هذه الحياة رغم صفاتها .
جناح الورود جميل ، لكن عندما اقتربت منه ، مات أكثر الجمال ، ولم تتبق إلا صبغة الشعر و الشفتين . . و أخذت أبحث ! .
في الحديقة جانبان: حرب قائمة بين الأشجار الكبيرة و الصغيرة . . .و بحث عما يناسب امتداد الجذور و تركيب النسغ . . وبما أن الظلام يعم العالم لم أستطيع رؤية الكثير . . .
كانت الوردة الجميلة ذات الرائحة الطيبة قصيرة العمر . . الجوري والياسمين والزيزفون . . . و لم تكن هناك وردة فواحة في الصيف و الشتاء و الليل و النهار ، رائعة الصورة رائعة العطر ، رائعة البلسم ، قادرة على إحياء القتلى! .
لم تكن هناك تلك الوردة التي تشتاق إليها الأحلام في حديقة الحروب و الظلام والآثام .
و مرت الأيام الطويلة ، و بدأت شجرتي تكبر! تنقلت في بعض جوانب الحديقة . . وبدت لي الورود قد ماتت جميعاً! . وبدت الأشواك وقد تصاعدت في طريقها لاستعمار الحديقة ، و هي عالم جديد من السموم يجتاح الأرض . . و بدا عالم الصقيع و النار يتفقان على الإتيان على الحديقة .
لكن وردات حسناوات ، من خلال النيران وعلى الأرض الجليدية العقيمة ، و فوق أسنة الأشواك ، وعبر الظلام الحالك ، بدأن يسمعن أصوات شدوهن . . و أخذت الحديقة تفتح فاهها مشدوهة !. .
الوردات الحسناوات يغنين ، و كأنهن خيالات أتين من عالم أخر . .
أخذت تقترب مني وردة فواحة ، زهرية الوجنات ، اخضرار أوراقها نضر عميق ، اغتسلت بزبد البحر ، وردة عطرها يسكر العالم ، شابة منذ أن نبتت ، وشابة لو ماتت . . لا تعرف وريقاتها اضمحلالاً ، و لا تعرف شفتاها ضماً عن شدوٍ هو موسيقا الفردوس و السعادة و جريان الدم في العروق . .
وردة كانت هي النسمة بعبقها و حيويتها و لذتها و امتدادها وبحثها عن الأسرار ، وردة فيها القوة والشباب الدائم ، و إيقاع قلوب المحبين في العالم . .
فهل في حديقة الآثام هذه يمكن أن توجد حقاً جنات خبيئة ؟! .. و هل من صفاتها أن تأتي متأخرة ؟!..
أم هي أحلام ؟! ..
أم هي أوهامٌ ، دارت بها الأيام ، رسمها خيال مريض ، رأى كل مجازر الدنيا ، وسمومها و آثامها ، تنزرع هكذا ، وبكل بساطة ، في صميم فؤاد طفل رضيع ؟! . . . .
...........