من قصص ماقبل أربعين سنة
|
نحن دوما على صواب ، و الآخرون دوما على خطأ! . الأغراب المالكية 1\10\1971 منذ أن حط أولئك القوم السمر رحالهم في الجرد والقرية الراقدة في حضن الجبل تمتلئ بإطارات المناخل والغرابيل والطبول والدرابيك المصنوعة من جلد الحمير . قوم سمر عجاف طوال اعتادوا على سكنى الخيام ورغبوا بها عن بيوت الطين والحجر ، لأنهم ما ألفوا الإقامة في موضع واحد على ظهر هذه الأرض . دبت حركة غير عادية في مطلع هذا الصيف في القرية ، ونشط الغبار ، وتنادى أطفال القرية لرؤية المخلوقات تجر خيامها وحميرها ونسوتها التي تشبه (الكنغر) في احتضانها لصغارها داخل جراب من جلدها . قال الصغار إن القوم نصبوا الخيام مشقوقة ودقوا الأوتاد عتيقة في التراب ، وتركوا الحمير ترتع فيما حولهم . قال أحد الصبية وعيناه تكادان تقفزان ، وفمه يفغر باستغراب: - أوه كم عندهم من الحمير ! ، ماذا يفعلون بها كلها؟! . قبيل غروب الشمس كان كل شيء قد بدأ يميل للهدوء في المكان الذي عجنته حياة مفاجئة ، وبدأ اللهب المتمايل من موقد يسمع طقطقة الأغصان المحترقة فيه . تباعدت جمهرة من صبية القرية التي كانت تراقب حركات المخلوقات الغريبة ، وراحت تطارد جحشا نأى عن رفقته ، لم تتركه حتى أدمت قفاه . في القرية وفي بيت مختنق ، أخذت امرأة كهله تضرب ابنها طفلا في العاشرة من عمره ، ورغم صراخ الطفل فان المرأة لم يظهر عليها أنها تهتم لصراخه. . كانت تساءل نفسها: لو أنهم خطفوه ، ماذا كان بوسعها أن تفعل ، فواجبها الذي لا يجوز أن تتهاون فيه إطلاقا هو أن تلقن الصبي درسا مريرا يحرمه فعلته . . - قل لماذا ذهبت نحو أولئك الناس ؟ . . إنهم يسرقون الأطفال ، و والله إن فكرت مرة أخرى فسأخنقك بيدي هاتين . - لقد ذهب الأولاد . . . - . . . حيلتنا ضعيفة . نحن غير كل الناس . . . إياك والاقتراب منهم ثانية . . . ويصرخ الطفل مستغيثا ، وتتابع الأم لطماتها بقسوة وعيناها لا تدمعان . في ساحة القرية وعلى المصطبة الترابية وزعت كؤوس الشاي من بيت المختار ، وقعد رجال أربعينة يشربون ويلفون السجائر (القشق) ، يمد رجل ذو لحية مشوبة بالبياض يده ليحرك ملعقة صدئة داخل الكأس ، ويتمتم كلمات هي مزيج من الآيات القرآنية ، والاستغراب و التطير . - مالي أراك منقبض النفس يا شيخ تحدث نفسك ؟! . - أعوذ بالله ، الإنسان يحتار فيما يفعل ، يقول في نفسه إن هؤلاء أيضا من خلق الله ، لكننا نخشى على جو البلدة من الفساد . . . يعلق الرجل الأصغر سنا بينهم . بينما يتلمس شعرات الصدر اللولبية: - لهم ماء يشربونه من هذه الأرض ، ولن يذهبوا إلا متى انقطع ماؤهم . مالنا ولهم؟ هم في حالهم ونحن في حالنا . . يضع الشيخ كأس الشاي خاليا و يزلق راحته على لحيته ثم يفرك كفيه: - نحن لا نحتقر عباد الله ، إنما سترى ، حميرهم تأكل الزرع وصبيانهم يسرقون كل شيء . . . ورجالهم ينتظرون في الخيام لمعاقبة زوجاتهم العائدات من الاستجداء. أجارنا الله . ويصمت الجميع بينما تسري نسمة بين أوراق شجر الجوز ، وتتراقص ظلالها على قدمي الشيخ. - قوموا لنذهب إلى الجامع . . ويبقى الجميع صامتون . في حجرة عالية استدارت سبعة كراسي حول طاولة تفرقت عليها صحون من قطع البطيخ الأحمر . جلس على الكراسي خمسة من الشباب صوبوا أنظارهم عبر النافذة الواسعة الى الجرد . مد ذو الشعر المنتصب شوكته وطعن بها قطعة البطيخ ، وبينما كان يقربها من أسنانه قال: - كلوا ، مالكم تحملقون في تلك البشر؟ . . - لا أحد يحملق غيرك ، كل وأملأ كرشك . . . يأكل الجميع والعيون تقفز من خلال النافذة من آن لأخر لتحاول تمييز الخيام الثماني القائمة . والمخلوقات التي تنتقل بينها مرسومة بواسطة أنوار باهتة كأشباح من مقوى أسود !. يشعل أحد الشباب سيجارة يمتصها بينهم ويربت على ظهر زميله . - كل أيها الجوعان . - كلنا جائعون . . كلنا كلاب مرمية . . . سنظل كذلك طالما بقي الشيخ سيدنا . . . - لماذا؟ . . . الجرد أمامك أصبح يعج بالحياة ، دونك والجرد . . . يمر أسبوعان ويكون أطفال الجرد قد سروا في طرقات البلدة مرات ومرات طالبين المعونة ، الخبز ، المال ، الكساء ، العتيق . . . وتكون النسوة قد حكين لكل صبية أو عجوز أسرار مستقبلهن ومطامحهن وآلامهن وتوقعن لهن الخير . - ستقعين في ضيق لكن الفرج قريب بعد ثلاث إشارات ، ستنالين المراد ، قولي إنشاء الله . يمر أسبوعان آخران وتكثر الآثار في أجمة خلف التلة ، فقد كان عبور تلك المنطقة نادرا ، لكنه ازداد حركة بتقاطر الشباب الجياع من أهل البلدة يدفنون أنوفهم في شعور سود هاربة من وهج الخيام ، يحس الشاب ممتلئ الجسم أن الدنيا جميلة وأن تمايل الأغصان ليس إلا رقص الحياة في بركة السعادة ، يهمس في أذن حورية سمراء: - أتمنى أن أعيش معك دائما . . . - ذلك محزن لأنه لن يتحقق أبدا ، آه لو كنت امرأة لمنحتك متعة لا تنساها . في ساحة القرية يهمس رجل أشيب لآخر: - علق شبابنا ، أخلاقنا تنهار . - ليتني كنت شاباً . . . - انه أمر سيء ، لكن ما العمل؟ على أية حال فالمسألة بين شبابنا وبناتهم . - المهم أن بناتنا مصانات . . . - أعوذ بالله يا رجل . . ، وهل يخطر ببالك؟ . . ويقدم أحدهما سيجارة للآخر ثم يبتسم في وجهه: - الحمد لله نحن بخير . - ولكنه وضع مشين على أية حال .
أسبوع آخر ويجلس في ساحة القرية مجموعة رجال تبدو في أعينهم آثار احمرار ، وأعضاؤهم لا تثبت في وضع ، تتراقص بعض الأشياء في أيديهم . يهمس الشيخ في أذن رجل ضخم الجثة: - اذهب وناد كل الشباب . ثم يهمس في أذن رجل آخر : يتحرك الرجلان مسرعين ، تمضي ربع ساعة فتعج الساحة بأربعينات الرجال الذي طغت على رؤوسهم الشعرات البيض . . . فقد كان الشباب مازالوا في أمكنة بعيدة . . بدأ الشيخ يشتم: - شبابنا كلاب ، هذا الجيل القذر . . إنهم لا يحمون البلدة من العار . . . يضغط رجل على راحة زميله ويتساءل بصوت مهموس : - لماذا كل هذه الثورة؟ . . - اسكت ، بنت الشيخ ، بنت الشيخ التي لا يقبلها قرد يقولون بأنهم قبضوا عليها مع واحد من الوافدين ساكني الجرد الليلة الماضية . . . يرتفع صوت الشيخ بعصبية . - أيها الرجال ، هؤلاء أفسدوا أخلاق الناس ، يجب طردهم ، يجب ألا يبيتوا هنا الليلة . . المجرمون ، السارقون ، هيا فلنرتح من شرهم . وتسير الجمهرة مسرعة تحمل البنادق والعصي والحجارة والفؤوس يتصاعد الغبار خلفها . . . وإذ بها تنفلت فجأة فتجري والدماء تغلي في داخلها . . . عند الجرد يتصاعد الصياح وتتفرق الحمير ، وتضم كل أم صغيرها ، بينما تدوي طلقات نارية . . وعند المغيب تتحمل الأثقال عشوائية وينوء ظهر أكبر حمار بجسد ساكن بارد تجمعت النسوة حوله مولولة . . . وتسير القافلة بينما بقعة من الدم الأحمر تروي حفنات من التراب . * * * |