|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
"هناك فرق بين أن تحملنا
إلى قبورنا سيارت فخمة بمكبرات
الصوت أو أكف وحناجر
وقلوب الناس.."
|
|
النهاية (الرحيل) |
نيقوسيا 9/9/1997
تنامت البلدة الصغيرة القائمة على قمة الجبل بسرعة عجيبة، فخلال عشرين سنة كثرت فيها البيوت الإسمنتية الكالحة وارتفعت نحو قبب السماء وأكلت الزرع والشجر، وبدلاً من أن يتهادى شباب البلدة الصغيرة وصغارها وكبارها زرافات على المروج وعلى طول الأنهر وتحت الأشجار عصر كل يوم، بدلاً من ذلك أصبحوا يسرون فرادى في زواريب البلدة تحت ظلال اسمنتية تثير القيء والميول الفئرانية..
تحولت القرية من بلدةٍ وادعة تتبادل تحية الصباح صباح كل يوم على دروب السواقي والمحبة، إلى مدينة مغبرة تخلط الصباح بالمساء فيضيع الصباح والمساء ويَسُودُ الليل..
وأضحت المدينة بلا أرضٍ تُزرَعُ، ولبن الضرع الباقي هو من نتاج الخبز المتعفن، وعند مدخل كل حي تفوح روائح الزبالة تتكوم كل يوم وتنتثر، ولم تستطع مجرفة البلدية أن تلاحق وتلحق موجاً متواصلاً من دفقات القمامة الملقاة في المداخل والزوايا المنبوشة في سواد الليل..
لم يعد في المدينة ما يؤكل، أو ما يُلبس، أو ما يُشربُ، فسافر الشباب إلى بلدان أخرى بحثاً عن مال يشترون به أشياءهم، ويشترى به البعض عنجهية أو زواجاً جديداً، أو أعمدة إسمنتية جديدة تبقى هناك السنين الطوال ولا تُسكِن أحداً..كما اشترى به البعض نوادي لقضاء الليل بعيداً عن البيت، مع الفن الليلي الصاخب أو الفني الغجري الحديث..
وهكذا بقيت نساء البلدة، إما في بيوتهن أو في رحلات مع أزواجهن وأيضاً في بيوتهن وفي كل الأحوال باتت معظمهن، وإن كُنَّ في بيوت طينية أو في قصور ممتدة ، وحيدات مع الجارات، يتحدثن عن الزواج والذهب والعطر والموديلات، ويثرثرن، يثرثرن إلى حد الإغماء…
* * *
تعبق في أنفاس سالم روائح زهرات المشمش والزيتون، وأوراق الجوز قرب النهر الدفاق برائحة الأرض..
بل كانت تعبق منذ أربعين عاماً، وبقيت حتى الآن تدغدغ الحواس الخمسة كلما هاجت خيالات الذكريات.. فيأخـذ سـالم نفساً عميقاً يشعر كأنه آت من تلك الأيام، ولا يحس بفرق الغبار ولون ظلمة الزواريب تخرس أنفه ورئتيه، ولا يحس بأن أربعة عقود قد فضت فغيرت كل شيء..
وبينما كان ندى الصبح الإسمنتي، وليس ندى الصبح الزهري والأخضر، مازال عالقاً في برودة حفر الجدران المتصاغرة، فتح سالم فاهه متثائباً حتى نهاية شد عضلات وجهه، وهو من القلة التي مازالت تستيقظ مبكرة، عندها اهتزت طبلة أذنه حتى الصيوان من مكبر المسجد القريب وهو يعلن:
- " لا إله إلا الله.. سبحان الحي الذي لا يموت… انتقل إلى رحمة الله سعيد … أو … المعروف أبو العز، بعد عودته من المهجر، وسيصلى عليه بعد صلاة الظهر إنشاء الله ، إنا لله وإنا إليه راجعون."
يتكرر الإعلان عدة مرات.. ومكبر المسجد يبذل كل طاقته لإيصال الرسالة بحماسٍ شديد…
تراخى تثاؤب سالم وتمتم:
- سبحان الحي الذي لا يموت.. كلنها لها..
وضع الفوطة على رقبته من ناحية الظهر، واتجه نحو الحمام ليغسل وجهه ويفرغ ما يلح البطن في إفراغه،
ولم يجد بداً من استعمال المحارم الورقية الحديثة لأن جدول الماء الأنبوبي كان مقطوعاً…
نادى زوجته بعصبية:
- إليَّ بزجاجة ماء…
- عندي من ماء المكواة، هل يناسب؟…
- الرحمة يا امرأة!…
وعاد ، ارتد، كطرفة عين، إلى الحقل ابن زمن قبل هذا، حيث استخدم بعض ماء البركة، أو كدر الطين أو أوراق الشجر.. وابتسم ثم ضحك ثم قهقه…
ثـم قـال: لا يهمك يا امرأة!.. كل شيء سواء، فنحن لا نحمل معنا سوى كفن وقطن…
- اللهم ارحمنا!…
تندفع زوجة سالم فجأة فرحةً:
- إنشاء الله سنغتسل اليوم، ونغسل الثياب، الماء ستأتي في الأنابيب، والشفاط سيقوي الماء..
وبعد أن زفت الخبر إلى سالم، عادت لتفتح الصنبور منتظرة اندفاع الهواء، ليأتي بعده اندفاع الماء كي تسعد برؤياه… ومع اندفاع الماء الضعيف، يتناهى إلى سمع سالم صوت مذياع البلدة وانياً:
- " انتقل إلى رحمة الله هادي… المعروف (أبو شجرة).. وسيصلى عليه بعد صلاة الظهر إنشاء الله.. إن لله وإنا إليه راجعون"
لايتكرر الإعلان كثيراً.. بل يدخل الآذان عن غير طريق الآذان .. متهيباً رقيقاً بلا حماس…
* * *
أبو شجرة !..
رحمك الله يا أبا شجرة!..
كنا معاً على مقعد واحد ذات يوم، كان هادئاً، يعمل في رعاية شجر حقل والده طيلة النهار وربما الليل، ولذا أسمينا (أبا شجرة).. ومشى معه الاسم طيلة عمره رافقه رحلة الجهد والعرق والعوز، رافقه الاسم كما رافقته أبوته لكل أشجار البلدة، فنما عندما نَمَتْ وتقطّع عندما تقطعت..
عندما كان يأتي المدرسة وعلى لباسه بعض طين الأرض، كنا نضحك، وكان مدرس الصف يوبخه، ثم يضربه على راحته بلسعاتٍ خفيفة، تحمل التوبيخ في الظاهر، وتحمل الحب والابتسامة من القلب في الداخل…
- لا تتأخر يا بني!.. اهتم بثيابك أكثر، فأنت تلميذ!..
وكان من الواضح أن المدرس يستقبل هذا التلميذ في قلبه يوماً إثر يوم .. فهو يدرك معنى أن يجمع الإنسان حب الأرض وشقاءها، مع حب المدرسة وجهودها..
أسميناه (أبا شجرة).. وأنا (سالم) بعد كل السنين الطويلة، تمنيت لو أسموني (أبا غصن) أو (أبا زهرة) أو حتى (أبا برعم)..
قال صديقي الذي زارني قبيل الظهر:
- من هو (أبو العز)؟..
وأجبته بنفس السؤال :
- من هو (أبو العز)؟..
اسمع سالم لا بد أن صديقنا محمود يعرفه، فلنتصل به هاتفياً..
- ألو.. محمود، اسمع، صباح الخير.. نعم، أبو شجرة هو الذي كان معنا في صف المدرسة.. اسمع، أريد أن أسألك عن المرحوم أبي العز.. طبعاً سنذهب إلى المسجد للصلاة على أبي شجرة.. طبعاً سنزور أولاده للتعزية.. طبعاً هم أولادنا.. أسألك عن أبي العز.. اسمع، هل تعرف عنه شيئاً..؟..
أنصت صديقي دقيقة.. ثم ودع على الهاتف قائلاً:
- طيب نحن بانتظارك ، مع السلامة..
كنت بشوق لأعرف حديث دقيقة الإنصات لصديقي:
- اسمع سالم.. هذا أبو العز، يبدو أنه رجلٌ لديه أملاك لا تأكلها النيران، في الخارج والداخل ولديه علاقات كبيرة وعلى مستوى، وكان صاحب سطوة من خلال ماله.. لكنه بالنسبة للبلد هنا كان ذا نشاط محدود مكتفياً بقصر منعزل وسيارة فارهة فخمة مغلقة النوافذ تمر صباح مساء كالسهم لا ترى أحداً ولا يراها أحد…
وتابع صديقي، منحرفاً عن حديث أبي العز:
- رحمك الله يا أبا شجرة..!.. أتذكر كيف كان يجلب لنا بعض الجوز والخوخ والتين والمشمش حسب المواسم، وكيف كنا نمازحه ونثقل دمنا عليه، وهو مبتسم قائلاً:
- " إنه ألذ تعب في الدنيا عندما ترى الشجرة تنمو كرضيع، ثم كطفل، ثم شابةً تثمر وتعطي..والشجرة تعطيها فتعطيك.. أفضل كثيراً من الناس تعطيهم، ثم تزيد في عطائهم، فيجحفونك ، ثم يزيدون في إجحافك…"..
- أتذكر؟!.. ياسبحان الله!..
عدت إلى نفسي بينما كان صديقي مازال يتحدث عن مزايا زميلنا القديم الراحل، وسرحت في عالم آخر، بينما كنت أدمي طرف شفتي السفلي بضغط من نابي عليه.."
" كانت حينذاك أيام الصباح، كل شيء في الصباح.. الطل والشذى والعمل والأمان والحب.. أما الآن فكله في المساء.. والمساء مليء بالدخان.. ليس كمثل الصباح…
الآن، هذه الأيام هي أيام المساء.. والمساء باتجاه الظلام، وليس كالصباح باتجاه الضياء.."
لم يتوقف صديقي عن ذكريات أبي شجرة ، ولم أتوقف أنا عن جدل الصباح والمساء، إلى أن طرق الباب صديقنا محمود، ودخل فسلم وجلس..
- مـررت في طريقي إلى بيت أبي شجرة .. إن موته لا يعني موت الأشجار.. فقد بذر الأرض حباً .. وسعى إلى أن تبقى الحقول مزدهرة، لكنه كان وحيداً يحبه الناس ولكنهم لا يفعلون الكثير من أجل أشجاره.. فقد أضنتهم لقمة العيش لكنهم، كما كنا نحن، ينظرون بتحويلة من عيونهم إلى أبي شجرة ، وكأنهم يرون فيه روح الماضي والمستقبل، وكأنهم يحسون نبض جوراحه وتعلقه بالأرض.. لم يسافر، لم يغادر، لم يبن أكثر من حاجته، وبيته بسيط نظيف، وزوجته كانت مثل إحدى شجراته، تترعرع جميلة، تتهادى مع النسمة، تتزين بالأزهار، وتثمر، وقد أثمرت له ثلاثة أطفال يعشقون الشجر مثل أبيهم، ويطرحون حباً مثل أمهم…
* * *
خرجت من المسجد جنازتان..
جنازة أبو العز، وضعت في عربة وأكاليل الورود الضخمة معلقة ومحتشدة في مائة سيارة فخمة ذات ألوان قاتمة تسير خلف سيارة النعش التي تطلب الرحمة للفقيد، وتعدد مآثره.. وتقرأ القرآن..
خِلْتُ وأنا أستمع أن الذي نسمع يأتي في معظمه من جهاز تسجيل.. كما حدقت في نوافذ السيارات في القافلة، فوجدت الراكبين القلة يلبسون أطقماً داكنة جديدة لماعة وياقات تتناسب معها ومع المناسبة الحزينة..
الوجوه تبحث عن تفاعل مع الحزن، ,أحسست براكب سيارة يحدث جاره..
- رحمه الله، لقد حقق مالاً لم يحققه أحد!.. ولكن لمن سيترك هذه الثروة؟
سينهبونه ، وخاصة أن أولاده لا يستطيعون الإدارة.. ما رأيك لو أخذنا الفندق استثماراً. واشترينا الأرض قبل أن (يلهفها) الآخرون.. أو على الأقل لو اشترينا أسطول سيارات الأجرة..
- ترحموا عليه..
- رحمه الله.. أو المزرعة.. يوجد مخطط يبين أن الشارع سيمر من خلالها..؟..
* * *
وصلت جنازة أبو العز.. قاموا بالمراسم، قرأوا، ترحموا، نال كل عامل أجرته، وانسحب الجميع كل في سيارته إلى مكتبه وعقاره وغداء العمل المدعو إليه، أو غداء مع صاحبةٍ حلوة تزيل الهم.. بينما مازالت جنازة أبي الشجرة تسير على الأقدام..
الله أكبر تعلو وتتعالى وتدخل الآذان والقلوب بلا مكبر..
والنعش تحمله الأيادي، وتتناقله الأيادي، تتلمسه بحنان الابن المفقود..
الله أكبر..
ترحموا عليه..
وقال كل في قلبه:
- رحمة الله عليه..
لم يركب أحد سيارة.. لم يتحدث أحد في عمل أو في متعة حياة.. لم ينل أحد أجرة.. كل ما في الأمر ،
أن أبا شجرة رحل ومعه ملايين الدعوات بالرحمة من آلاف القلوب الخفاقة التي جرت، وحملت واصلة ما بين النعش وتراب الأرض الذي أحبه أبو شجرة..
وكأنها آلاف الأشجار وهو يتهادى بين أغصانها، وهي أرواح حب وعطاء وأجساد بشرية تحولت أيديها إلى فروع وسيقانها إلى جذور، غطت كل الأرض واصلة ما بين المسجد والقبر..
كانت خفقات القلب تحتضن أبا شجرة وترفعه إلى عنان السماء…
- هذا عبدك يا رب نال محبتنا، أفلا ينال محبتك ورضاك وغفرانك؟!..
وخيل إلي، وأنا أعود ودمع في عيني، أبو العز يقول متباهياً لأبي شجرة وهما في القبر:
- لقد حملتني مائة سيارة فخمة، وقبري وحده كلف مليون ليرة!..
فيرد عليه أبو شجرة:
- لقد حملتني قلوبٌ نابضةٌ بالحب لا حصر لها تسد عين الشمس…
![]()
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|