عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

" تظل قلوبنا تضخ الحياة فينا

العمر كله، ولا نفكر أبداً

في أن نتحدث إليها بابتسامة " 

نيقوسيا 1/10/1998

المُصالحة (الخروج)

في يومٍ ما قبل خمسين عاماً، كنت وأمي وجدتي وشياههما نأخذ الطريق إلى منطقة الغرب في بلدتي، حيث لجدتي حقلٌ صغيرٌ في حضن الجبل.

سرنا، وخطواتنا مع خطوات الشياه ما تزال ترن في أذني حتى اليوم، ومازال لها وقعٌ يسطر بعض الأحلام الصغيرة في داخلي. في الطريق نمر على مجموعة من البرك التي تركد فيها المياه، وتلعب فيها مخلوقات صغيرة منوعة من الديدان وغيرها، وكنا نضع طرف شاشة جدتي لنمتص ماء البركة ونحن على الطريق نتابع الخطوات، وإيقاعها مازال يحفر في خلدي.

كان يبدو الطريق طويلاً متشعباً متعرجاً وعراً ينتثر منه الغبار مع وقع أقدامنا، ولكننا نصل في النهاية، حيث بضع شجيراتٍ من الرمان، وعدد من أشجار الزيتون، والأرض مليئة بالمرج والزرع وبعض نبتات الفول. كان هناك بضع شجيرات مشمشٍ وجوزٍ كذلك ، وكان أحلى ما يحلو لي أن أتسلق تلك الأشجار بقوة ساعدي وساقي، حيث أضم سطح قدميَّ السفليين، أحتضن بهما ساق الشجر وتمتد يداي لتطول الأغصان فأتسلق كما يتسلق جوز الهند قردٌ صغير.

أطول الجوز في موسم الجوز، والزيتون في موسم الزيتون، وهناك في حضن الشجرة تعبر النسيمات الخفيفة، تُميّل الأغصان على وجنتيَّ وعلى جبهتي وبين عينيَّ وفي مفارق شعري. تلك النسمات لا تكتفي بدغدغة جلدي، بل إنها تخترق أدمتي و عظامي ودمي، ولذا فنغماتها وهمساتها وعطرها مازالت باقية في سويداء قلبي.. في لحظة ما انزلقت قدمي وكدت اهوي، فصرخت جدتي من أعماقها:

- سلامة قلبك!.. سلامة قلبك يا بني!..

وهرعت إلىّ صارخة في أمي:

- لماذا لا تنتبهين إلى الصبي؟!

ولكن الحادث لم يكن إلا عابراً، لكن نغمة الحب التي صدرت آتيةً من أعماق جدتي ومن همسات أمي ومن ثغاء الشياه، ومن دغدغة النسمة.. مازالت تسكن في حجرات خلاياي!..

- سلامة قلبك!.. خذ هذه البرتقالة، كلها لتنعش قلبك!..

جدتي لم تكن تتحدث إلا عن انتعاش قلبي، وعن عطش قلبي، وسلامة قلبي، ومحبة قلبي.. جدتي لم تكن ترى مني سوى قلبي!..

ملأت جوف صدري من نسمة مغناجة طرية، وأكلت من ثمر الغرب، حتى أحسست أن خلاياي جزء من تلك الأرض، وعظامي قطع من سوق أشجارها، وعيناي ترى من خلال هفهفات أسهم ضوء الشمس تنبثق من خلال الأوراق الصغيرة، فتصنع انسجاماً أبدياً ما بين النسمة والضوء والحب. 

*           *              *

كبرت وزملائي في المدرسة، وكان علينا هذا العام أن نبذل جهداً غير عادي، فالثانوية العامة تتطلب تركيزاً من طالب مراهقٍ بدأ يرى الدنيا بلون ورديٍّ، بدأ يستعجل الأموال ليصل إلى ما يتمناه، إن كان حقاً أو باطلاً، بالسرعة الضوئية!..

وجدت نفسي مع جمعٍ من الأصدقاء والزملاء مدَّعين أنه المكان المناسب للدراسة والتركيز لنيل أعلى العلامات. كنا في أمسية التقينا بها، وبحثنا في بيتٍ واسعٍ يملكه والد أغنى واحد فينا. جلسنا إلى طاولتين، اثنان إلى كل واحدة.

- ماذا تدرس؟!..

- أدرس في الرياضيات؟ وماذا تدرس أنت؟..

- أدرس في العلوم الطبيعية..

- لكنني أنا سأدرس في ملخصات المواد الاجتماعية.

صمتنا نصف ساعة.. بدأ الرابع فينا يسأم، ثم وجدناه ينسحب ويشعل سيجارة على جنب ويمتصها بنهم:

- إيه يا أخانا! ماذا تفعل؟!

- أدخن سيجارة!..

- ولكننا ندرس، وكلنا في الغرفة!..

- افتح النافذة..

- ولماذا الإضرار بنفسك وبغيرك؟!.. اترك هذه الملعونة وتابع دراستك!..

- أنا لا أستطيع الدراسة إلا إذا أخذت من هذه الملعونة بعضاً من أنفاسها..

- أحمق!..

- هه!.. ادرسوا ما تشاؤون، خذوا العلامات التي تريدونها، يكفيني النجاح بأقل الدرجات، فأنا مسافر خارج البلد على أية حال.

- أنت غني وتستطيع أن تسافر، سافر، سافر من الآن!..

تابعنا صمتنا، ورحت أسائل نفسي وعيناي مقفلتان:

- هو غني!.. حتى إن نجح أم لم ينجح، وأنا، حتى إن نجحت، وبأفضل العلامات، فماذا أفعل؟.. بقية أيامي صعبة، كما كانت سالف أيامي. أذهب إلى البيت فأرى ضنك الحياة، وأبي ليس سوى عاملٍ بسيط يكدح، ويصارع الحجر والبرد والحر والجوع والخوف ليأتي لنا بلقيمات. هذا الحال لأن أباه جاء من أسرة سرقت في يومٍ من الأيام، ولأنني جئت من أسرةٍ سُرِقَتْ في يوم من الأيام.. ابتلعت ريقي، لكن ريقي كان قد جَفَّ، فقمتُ وابتلعت قطرات من الماء وتابعت إلقاء عينيَّ على صفحات الكتاب.

تصورت يوم الامتحان، يوم الامتحان حيث تتزلزل أعصابي، وتنقبض أحشائي، وأعاني الإمساك أو الإسهال، حيث ترتجف أصابعي وأنا أمسك القلمَ، لأبدأ أول كلمة في إجاباتي.. كنت أحلم كثيراً في اليوم الذي أجد فيه نفسي وأسرتي في رخاءٍ بعيداً عن الحاجة والمرض. 

*           *              *

مرة أخرى وجدت نفسي بعد خمس سنوات في قرية صغيرة أهلها طيبون، وابنة جيراني طيبة مثل أمها وأبيها.. عشت في هذه القرية سنوات جميلة وكأنني بعيد عن العالم، ولا يوقظني سوى اليوم الذي أقبض فيه مرتبي، كنت في تلك الأيام أستاذاً، و(أستاذاً) هنا لا تقتضي منك درجة الدكتوراه، يكفي أن تكون معلماً شاباً في قرية بعيدة يراك فيها أهلها أنك رأس الحكمة وقمة العلم والبطل الذي جاء ينقذ الناس من جهلها، ويكفي هذا كي تكون أستاذاً وأباً لكل الأساتذة.

أحببت هؤلاء الناس، دخلت في قضاياهم أو أدخلوني هم، واعتقدت أنني قدمت لهم شيئاً، ولا أكتم أنني كنت أستمتع طعام وكل زادٍ وكل هديةٍ صغيرةٍ اعتاد أهل القرية أن يقدموها لمعلم مدرستهم الصغيرة، أحببت هؤلاء الناس واعتقدت أنهم أحبونني أيضاً، ويوم ان غادرت كان يوم حزن.

وكان مازال طريقي طويلاً.. فالسكن كان بعيداً بعد كوكب آخر، وكذلك الفتاة التي سأختارها..

كان عليَّ أن أقدم امتحاناً آخر في نهاية المرحلة الجامعية، والحقيقة هي أن الإنسان دائماً في امتحان!.. عندما يريد أن يقرر شيئاً فهو في امتحان.. عندما يريد أن يتناول طعاماً.. إنه في امتحان!.. فقد يكون الطعام صالحاً له أو ضاراً به!.. عندما يريد أن يذهب رحلةً أو يتحدث حديثاً، أو يقابل أناساً.. إنه في امتحان!.. فالامتحان يعرضه لنجاح أو فشل، بخطوة إلى الأمام أو بخطوة إلى الخلف، حياة كلها امتحانات.. نحن البشر خُلِقنا لنكون في امتحانٍ في كل لحظة!، وهذه الامتحانات المتتابعة تقبض على أعصابنا وتشد في أوتار عضلاتنا، وتسمم في دمائنا، وتنبض نبضات مترافقة مع نبضات قلوبنا.. هذه الامتحانات المتتابعة تولد سموماً في خلايانا، وهكذا نمتلئ بالسموم.. ومن أجل هذا نشيخ!.. 

*           *              *

اليوم أستجمع أوراقي لأقدم طلباً وظيفياً جديداً بمرتب أعلى مما كنت فيه، كان عليَّ أن أذهب إلى مجموعة مختلفة من الدوائر الموزعة هنا وهناك حيث تقف بعض الطوابير أو يقف بعض الأذّان يعرضون عليك خدماتهم وتسهيلاتهم لقاء هدايا مالية صغيرة.. قطراتٍ تتجمع فيضاً في نهاية الأمر..

كان يوماً يجب أن أغادر فيه السرير باكراً، فتأخذني السيارة إلى قلب المدينة حيث أتنقل بسيارات أصغر لا تلتزم لا بتسعيرة ولا بأسلوب سير. في كل مكان تذهب إليه تتلبد أجواؤه بدخان السجائر، وفي كل طريق نعبره تصرخ أبواق السيارات وهدير العجلات وضجة الناس والأنفاس المتصاعدة في كل مكان.. ضجيج هائل لا حدود له.. وأنسام خبيثة مليئة بالدخان والغبار والعبث والموت الأشهب..ووجوه مقبوضةٌ، وظهور محنيةٌ، وأيدٍ مرتعشة، تراها هنا وهناك، فتبحث عن رجل لتسأله عن مكانٍ ما، فيدير عنك ذلك الوجه، عليك أن تبحث عن وجه مبتسم ليتلقاك بالابتسام وعينك على مفترقات الطرق. تجد أحياناً بعض الوجوه التي تحبها وترتاح إليها، لكنك تتمنى من أعماقك أن ترى كل الوجوه مبتسمة لتسأل أياً كان عن مفترقات الطريق، ثم تصل إلى مكانٍ تنحشر فيه مع مجموعة مصطفة متدافعة، فتتساءل لماذا؟.. لماذا لا يصطفون بالتتالي فلا تتشابك الأنفاس، ولا تتناقل الأمراض، ولا تتلامس الأجساد ولا تحترق الأعصاب!..

وعندما تصل يجيبك الرجل المحشو ضمن الكوة، وهو معذور في ذلك: أريد التوقيع الفلاني، أو أريد الورقة الفلانية، أو هذه ينقصها كذا.. كلمة واحدة منه تكفي وعليك أن تفهم كل الموضوع، فهو ليس لديه وقت يجادلك فيه أو يُفهمك فيه، ثم يأتي من خلفك ليأخذ مكانك، فتعود أنت وتسال ذلك الصف البشري:

- ماذا أفعل بأوراقي؟.. كيف أتصرف؟..

فيجيبك أولئك الصامتون المتدافعون المنشغلون بالوصول إلى دورهم.. يجيبك بعضهم إجابات مناقضة لبعضهم الآخر، فتحتار فيما تفعل، وتقرر في النهاية أن تصرف الليرات الصغيرة أجرة سيارةٍ لتصل، أو تحاول أن تصل لهذا المكان أو ذاك، كي تستجمع الأوراق المطلوبة تسلمها للموظف المختص، من أجل أن تنتظر فرصتك في الوظيفة الأفضل.. عندما تصل إلى هذه النقطة وقد (استجمعت) أوراقك كاملة وسلمتها، يكون عقد أعصابك قد (فرط) كاملاً، وتكون سنخات رئتيك قد امتلأت كاملةً.. ويكون دمك قد تسمم كاملاً.. فتقضي أياماً في الفراش حيث يأتيك المهنئون:

- سمعنا يا أستاذ أنك ستُعيَّن في مركز مرموق في الوزارة.. مبروك يا أستاذ، إن شاء الله ستكون من أفضل الناس!.. على كل حال أنت ابن حينا وصديقنا وقريبنا ونحن نفخر بك.. لا تنسنا يا أستاذ عندما تكون في الوظيفة ونحتاج إليك!..

نحن بحاجة لأن يكون منا رجل ذو مكانة عالية نستند إليه.. أعتقد أن الأستاذ لن يتخلى عنا لو احتجنا إلى ترخيصٍ أو مشورة أو واسطة.

تتردد الكلمات في داخلي، وأنا أجلس، وأنفاسي ملأى بالتراب!.. أود لو أتقيأ ما بأحشائي لأستريح من الدوار الذي يمسك بي، لكن كلمات الجيرة والأصحاب والأصدقاء والأهل تفرض عليَّ ابتسامة باهتة أرسمها فتخرج قاسيةً صارمةً، فيعلق أحدهم وهم مغادرون:

- لا تخف يا أستاذ! إن شاء الله لن نحتاج لأحد.

أحدث نفسي طويلاً، وأحس بأن الغبار والصداع والضجة وضغوط الآخرين تندفع من أعصابي إلى مكان ما في داخلي.. هذا المكان الذي في داخلي، لم أدر وقتها أنه كان قلبي!.. 

*           *              *

كنت مازلت ألبس الأسود حينما بدأت عملي الوظيفي، وحينما اصطف أمام بابي عشرات المراجعين، وكان علي أن أراهم جميعاً في ذلك اليوم رغم الحزن الأسود الذي يسكنني، بضعة أيام مرت على وفاة أبي رأيته المرة الأخيرة وهو يراني قبل أن تهدأ ارتعاشاته، كانت مقلتاه تتحركان حيث أتحرك وتابعتني إلى أن خمدت واستقرت إلى الأبد. كان عليّ أن أستقبل كل الناس، وأحتمل تعليقات البعض وتوبيخ البعض الآخر:

- أنت لا تخدمنا بكيفك يا رجل!.. عليك أن تسرع كي ألحق عملاً آخر. كله توقيع!.. ما بالك تتأخر فيه.

كان علي أن أسرع، وفي السرعة خطأ.. كان علي أن أحتمل وفي الاحتمال عبءٌ ثقيلٌ على هذا الجسد وتلك النفس كما خلقها الله ضمن إطار محدود وطاقات محدودة. وأسرعت واحتملت وأنهيت ما أنهيت، ولم أترك دمعةً واحدةً تخرج من بين أجفاني.. في آخر ذلك النهار جاءني رجل يبتسم هادئاً وأصر على الجلوس معي. لم اكن أعرفه وما رأيته من قبل.

جلس وأصر على طلب فنجانٍ من القهوة وكأن المكتب مكتبه والمكان مكانه، أو كأنه آمرٌ ناهي وكان علي بعد صبر ذلك اليوم أن أصبر المزيد كي أرى مبتغاه. ابتسم وأطال المقدمات إلى أن وصل أخيراً. كان الرجل يعرض علي خدماته مقابل خدماتي، فجن جنوني وانفجر داخلي وصرخت وخرج الرجل، ومازلت أصرخ إلى أن جاء الآخرون واعتقدوا أن في داخلي هوس أو جنون.. ذهبت أنتفض ووصلت البيت، دخلت غرفتي وأغلقت الباب ورحت أبكي كما لم أبك وأنا في عمر العصافير.. لم أبك عندما انزلقت ساقي في منطقة أشجار الغرب، ولم أبك عندما (ملصت) أمي أذني بيدها.

بكيت، أردت أن ابكي، فالطريق شائك والضجة عالية، والهواء مسموم، والآلام مبعثرة، قررت أن أبكي فلا يجوز ألاّ أبكي، وليس لي من طريق إلاّ أن أبكي.. فالذي في داخلي أكثر بكثير من ان يحتمله قلب صغير خافق ليل نهار في كل دقيقة وكل ثانية لسنوات طويلة.. بكيت، وكأن ثغرة قد انفتحت في أعماقي لتخرج إلى السطح وتبث كل هموم الدنيا، وعندما وجدت نفسي هادئاً.. قلت إن قد صرفت أعبائي هذه المرة في بكاء.. ماذا يا ترى أرى في الغد، وكيف أصرّف الشقاء؟.. وهنا رأيت أمامي فتاةً بلون الورد لعلها تشاركني أشيائي وأفراحي وأتراحي، وهكذا كان..

دخلنا موجةً جديدةً من الضغوط والآلام والآمال وكلها تمثل مرحلة أخرى من ضغوطا الحياة. 

*           *              *

يفرح الناس في أعراسهم، والأعراسُ وُجدت من أجل الفرح.

لكن الفرح كثيراً ما ينقلب إلى حزن والحزن في قلوب بعض الناس. القادم إلى الفرح يأكل ويتباهى وينتقد، لا فرق عنده.

أما الذي يدفع ويحرص ويتحفظ ويبتسم ثم يبقى مديناً سنوات طويلة، رغم مظاهر الفرح فليس في قلبه فرح.

نحن أناس بسطاء، لم نرث شيئاً، وتعبنا من أجل الحد الأدنى، وعشنا بقدر ما سمحت لنا الحياة، أو بقدر ما أخذت منا الحياة، أو بقدر ما بثت في داخلنا من سمومها تلك الحياة.. علينا أن نضع جدولاً زمنياً لكل شيء ونحسب الحسابات، ونعد خفقات قلوبنا في كل الأحوال.. ولكن لا نستطيع أن نضع حاجزاً بيننا وبين رمال الحياة، وبين كثبانها المتحركة فتلج في خلايانا، وبين دخانها الأسود الذي يدخل أنوفنا وصدورنا ودماءنا.. لا نستطيع أن نقف حائلاً أمام العثرات فهي سنة الحياة، ولا نستطيع أن نقول لا لكل شيء، أو نقول نعم لكل شيء. 

*           *              *

في يومٍ أصفر رمادي، تجمعت كل الضغوط القديمة وزادتها ضغوط أخرى.. صديق مات، وصديق خان، وخلافات أسرية، وخسارات ومطالبات، وفشل في العمل.. يومٌ أصفر أغبر جعل يدي تمتد إلى بضع لفافات تبغية حمقاء، أتناول منها جرعات السموم لعلها تكون مخدرة لأجساد تعبت، ولكنها ما فتئت أن زادت الشرخ شرخاً، والسم سماً، فخفق قلبي كما لم يخفق من قبل، انكمشت عروقي، وتألم داخلي وانضغط صدري، وامتد الألم إلى كتفيَّ ويديَّ فحملوني غائب الوعي.. وهناك وضعوا على أنفي وفمي كمامةً شممت بها هواءً نقياً 

*           *              *

كان لي نصيب أن أستمر في هذه الحياة.. من بعد تلك الأزمة قررت أن أعمل شيئاً.. قررت أن أعود إلى الصديق الوحيد.. قررت أن أعود إلى الكتاب..

مضت سنتان.. ثلاث سنوات.. خمس سنوات وأنا أقرأ في الكتب.

قرأت كل ما وصل إلى يدي وكل ما كتبه العالم عن أمراض القلوب، النفسية والجسدية، أسبابها فوجدت أن لدينا، في عالمنا، وبين زواريب دروبنا، وفي ثنايا أفئدتنا وأضلاعنا وثيابنا، وجدت كل الأسباب التي ذكروها، كل الذي ذكرتُ كان موجوداً في بطون الكتب: الهواء الفاسد، ضغوط الآخرين والآلام المستمرة، نظرة الإنسان لنفسه ولما حوله، آلام الآخرين تنتقل إليك، آلامك تبقى في داخلك، الطعام الملوث، الابتسامة البعيدة التي ليس على شفتيك، الكلمة الطيبة التي ابتعدت عنك. الماء الآسن الذي يسقي زرعك ويسقي بطنك، كلها في النهاية تصب في ذلك المكان الذي يضخ إلى جسدك ودماغك وأعصابك بأسباب الحياة. عندما أصبحت صورة أسباب الإصابة واضحة لديّ قررت أن أبدأ من جديد.

قررت أن أنسى الماضي وأنسى المستقبل، فالماضي مات ولم يعد سوى ذكرى، والمستقبل مجهول، قررت أن أعيش اللحظة، وقررت أن أبدأ بالابتسامة.. قررت أن أرى الزهرة في تفتحها، والندى في صباحه، والورقة الخضراء مفعمة بلونها ورائحتها، قررت أن أسكن الشجرة المعمرة أمام بيتي، وأن أتلمس ريش العصافير برائحتها وارتعاشتها وزقزقتها. قررت أن أذهب بعيداً إلى قرية يخرج منها نبع لم يعبأ بزجاجات، وأن أقضم تفاحةً لم تكبر بسماد ولم تُرش بمبيدات، قررت أن آكل القثاء والبطيخ من أرضه وعلى أرضه، قررت أن أبتسم في وجه أولئك العابسين، قررت أن أرى الضوء من خلال الظلمة وأن أرى الأخضر من خلال الأسود، وان أرى النسمة من خلال الغبار، قررت أن أرى النور من خلال الشحوب، وأن أرى الجمال من خلال القبح، وأن أدخل في نفسي وأقول لقلبي:

- أنا قد ظلمتك نصف قرن..

وكان بيني وبين قلبي حديث:

قال قلبي:

- ما زلت أذكر يوم مشيت إلى غرب بلدتك تحملني وأنبض على إيقاعات سيرك وسير أمك وجدتك والشياه باتجاه أشجار الغرب، باتجاه برك الغرب التي كانت تمرح فيها الديدان، ولكنها كانت أكثر نقاء من ماء الزجاجات.. مازلت أذكر تلك الأيام التي تصعد فيها أشجار المكان فتسرح وتمرح وتتلمس الضوء والنسمة والنقاء والطيور وحديث الوجود.. ذلك اليوم قَتَلتَهُ، وكان علي أن أعاقبك من أجل ذلك.. أخذتني إلى حيث الغبار، إلى حيث الضنك والبلادة والكرسي الجامد، إلى حيث يعبس الآخرون وتعبس أنت، إلى حيث تقتلني بكل ما تدخل في جوفك..

أخذتني إلى حيث المآسي، ولم تجعل من المأساة ملهاة، فماذا كان علي أن أفعل؟ وماذا كان باستطاعتي أن أفعل؟..

صمتُّ طويلاً.. بدأت أرسم ابتسامةً على قسمات وجهي وعلى شفتيَّ وأقول لقلبي:

- ما مضى قد مضى!.. والمعترف بذنبه كمن لا ذنب له. أنا الآن طفل يا قلبي فكن لي قلب طفل!، أنا فتيٌّ يا قلبي، فكن لي قلب فتى!.. أنا محبٌّ يا قلبي، فكن لي قلب مُحب!.. أنا أرى الحياة ابتسامةً في كل حول، إن كانت ابتسامة حب وإشراق أو كانت ابتسامة سخرية وازدراء، فكن يا قلبي معي في تلك الابتسامة!

وليس يغنينا يا قلب أن نبكي، وليس يغنينا يا قلب أن نشكي، وليس يغنينا يا قلب ان نرى السواد مهما كان كبيراً، فالزهر والأخضر أكبر، والآفاق يا قلبُ هي أرحب وأوسع مدى..

نظرتُ إلى قلبي فرأيته يبتسم راضياً، وراح يخفق من جديد بقوةٍ وعنفوان وراحةٍ كما لو أنه يرقص مع ملكة جمال الكون!..

-=-=-=-=-=-

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm