|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
المشروع
نيقوسيا 2/11/2002
( يصنع الإنسان شيئاً ليفسد به شيئاً آخر .. )
قلت في نفسي: إن تجارة الكهربائيات والمواد الإكترونية رائجة، ولما ذهبت كي أحصل على إجازة استيراد وجدت ألف إجازة قبلي!..
ثم قلت في نفسي: المواد الغذائية أشد ضرورة للإنسان، فهو قد يبقى بلا مروحة أو غسالة أو تلفزيون ولكنه لا يبقى بلا طعام.. وقفت في طابور المستوردين فوجدته خطاً بلا نهاية .. فترددت ثم أحجمت ..
ثم فكرت: لو أنني أستورد أدوية هامة ، تشجع الجسم على الصحة والعافية ، أو تساعد على الشفاء من الأسقام الكثيرة ، لوضعت شروطي وكسبت المال سريعاً.. لم أستطع أن أخطو حتى الخطوة الأولى في هذا الطريق .. منافسة وعقبات والكثير من البيروقراطيات ..
ثم قلت لصديقي: لو أنني لايمكن أن أستورد شيئاً فالسوق مليئة، وكله يسابق الريح ويسبقها ليغني على السلع التي يأتي بها ويشيد بها من خلال شفتي صبية أو جسدها، أو من خلال قوة لف ودوران وخديعة .. وأنا لا أستطيع أن أفعل ذلك .. فماذا أنا فاعل ؟!..
عدت مجدداً وقلت: لأصنع شيئا ً.. أشتري الحليب من البقرات ، وأجمعها في الصفائح ثم أبسترها وأعبئها في كرتونات أو في زجاجات، وأوزعها في الحارات .. وأقتصد في النفقات .. سنة وأخرى وتكون عندي منشآت وتوزيعات وإعلانات على صفحات الجرائد والشاشات ، فأرسل نهر حليب وأقبض نهر ليرات ..
مشروعي ذاك لم يكن سوى خربشات على صفحات ألقيتها في سلة المهملات .
***
احترت وحيرتني الدنيا والناس .. فكلما وقفت أمام واجهة محل رأيت الأثواب والعطورات ، ثم رأيت الفواكه والبذورات ، وانتقلت بعدها إلى أرض المكائن والآلات والأدوات ، ثم السيارات ، فلم أجد متراً من أرض يحتويني ، فأنا أمشي على أصابع قدمي بحثاً عن موطئ قدم.. ولم أكن لأجد موطئ القدم هذا .. فالذباب كثير حولي .. والرائحة ثقيلة عبقة .. وشروخ التنفس ضيقة.. وكل شيء صار في علبة .. أو في قارورة أو في صفيحة .. كل شيئ أصبح مضغوطاً أو مهروساً أو محفوظاً أو معالجاً أو محقوناً .. كل شيء صار كما لم يكن أبداً في هذا الكون ..
***
بيت جدي ملقيّ مهجور في الضاحية النائية .. تذكرت صغري عندما كان القرن العشرين شابا ً، فقررت الخلوة ..
والخلوة شيء رائع ، كالصيام ، وكنظام الطعام ، وكالخروج من تلوث البيئة وتلوث الأيام .. ومن أجل الخلوة تلك حملت معي لحماً في علبة ، وخبزاً في النايلون ، وبرتقالاً ضخماً كتب عليه أنه نقي من الهرمون .. ثم ركبت سيارة تبلع هواء ملوثاً وتخرجه غازاً آخر غير الهواء ..
كنت كلما قطعت مسافة أكبر، فقدت من جانبي أحد رفاق السفر .. إلى أن أصبحت وحيداً فحملتني العربة سعيدة بثقلي المحدود ، ثم ألقت بي في آخر الطريق .. هناك مشيت مسافة زمن أخرى على طريق الدواب القديمة ، إلى أن ضغطت على البوابة الخشبية الضخمة التي تخترقها مسامير حديدية صنعتها يد حداد ولم تصنعها آلة .. ضغطتُ عليها وخطوت نحو أرض الدار ..
طارت العصافير من على الشجرة الوحيدة ، ونفرت القطط والفئران والأفاعي من بين الأعشاب العطشى .. ودخلت الكثير من المخلوقات في جحورها بين الحجارة العتيقة التي تحيط بصحن الدار .
أنا في عالم غير العالم ، كأن لم تمسسه بشر منذ أجيال .. أطلال من دنيا أخرى .. عالم جدي وحماره ، حيث عاشا معاً وماتا معاً في هذه الزريبة .. وكانت بينهما أحاديث .. وأهداه جدي تميمة ربطها حول عنقه ، فرد الحمار بتكشيرة فهم كلاهما أنها ابتسامة امتنان..
أنا في عالم من حجارة مرصوفة حول بعضها وكلها شقوق للهواشل والطحالب والعناكب .. أنا في عالم من أعشاب متيبسة عطشى ولكنها سعيدة قاعها أخضر .. ومن شجرة جمعت الأخضر والأصفر .. بانتظار ماء المطر .. فجدي الذي كان يسقيها رحل عنها منذ أربعين عاماً ..
هناك في ذاك العالم المهجور أخذت أنظف مكاناً وأخرج ماء من بئر قديم ، وأهذب وأشذب ثلاثة أيام إلى أن صنعت مكاناً لي لم تألفه الأفاعي والفئران .. وقد أحست هاتيك المخلوقات .. أن المهاجر ربما عاد بصورة ما ، قد تكون صورة ..
***
أخذت أفكر وهنا تحلو الفكرة .. قلت مردداً:
"لو أنهم باعوا الحديد والشجرة ، والساق والثمرة ، والسهل والعثرة ، والتيس والبقرة ، والتمثال والكدرة .. ووضعوها في علب أو أكياس ، وشحنوها من أقصى العالم لأقصاه . . "
" لو أنهم أضافوا كل يوم ألف اختراع .. وعمل الصناعيون منتجات بالملايين .. وأغرقوا السوق بالسلعة والخداع .. واختار المستهلك على أي خديعة يرسي .. "
" لو أنهم صنعوا كل الطعام وكل اللباس وكل مواد البناء وكل المخترعات ، وكل وسائل المتع المسموحة والحرام .. "
" لو أنهم فعلوا كل ذلك ، فماذا أنا صانع ؟.. وأنا قد جئت آخر الصانعين والزارعين والتجار ؟؟.. ماذا أنا صانع ؟.."
قلت في نفسي وأنا أفكر في الخلوة ، في دار جدي القديمة المتهالكة النائية:
" لابد من شرخ أتاجر فيه بشيء أو أصنع فيه شيئاً .. فأنا ربما آخر التجار وآخر الصانعين .. وآخر الباحثين عن موطئ قدم "
في خلوتي الطويلة ، وخلوتي هنا تعني عزلتي عن الناس ، ولاتعني عزلتي عن القطط والفئران والعصافير والعشب والشجر والحجر .. بل إن عزلتي تعني القرب منها وملامستها والتودد لها ومحبتها والراحة بجانبها ..
فكرت أن أقرض الشعر .. أو أكتب الروايات ، أو أترنم بالأغنيات .. لكنني خلصت إلى أنني لو كتبت مائة ديوان شعر .. أو آلاف الصفحات من الحكايات والقصص والملحمات .. لما رأيت بين الناس من يقرأ .. لأنني لست صاحب سطوة ، ولا أملك ساق الجميلات .. ولاعيون الفتيات المغناجات الواقفات بالمرصاد في كل القنوات لينبئنك أنهن الجواب للشهوات اللذيذات ..
عدلت عن قرض الشعر والقصص والروايات .. عدلت عن كل شيئ اسمه كتابات .. لأنني لو جئت أحمل المعلقات .. لكانت أغنية واحدة من (الهشك و البشك) تذاع آلاف المرات بينما معلقاتي تنتظر دورها عدداً لا يحصى من السنوات !..
أحسست أن خلوتي ، وقد رحل الصيف ، لم تأت بثمرة .. سوى أن الحيوانات حولي بدأت تألفني وتقترب مني وتسمعني وصوصاتها وقضم الحبوب والنباتات ..
في خلوتي نمت صداقتي ورفقتي من النبت والحيوان نمت صحبتي مع الثعبان .. الثعبان في فراغات السقف مابين القصب ، كسول ينتظر مجيئ الفئران .. يأكلها ويعود للنوم مجددا ً.. ربما كان صديقاً لجدي ، وربما ورث جدي بعد موته وموت حماره .. وربما جاء مثلي ، يبحث عن الخلوة ..
***
جئت كي أخلو لأفكر..
وجئت أفكر لأخترع شيئاً أو أصنعه أو أتاجر به .. وهاأنا ذا أفكر في مشروع !..
قالوا إن المشروع الناجح هو الذي يلبي حاجة الناس !..
قالوا إن المشروع الجدي هو الذي يفرحهم أو يثير رغبتهم ..
قالوا إن المشروع الناجح هو الذي يسبق الآخرين .. وأنا سأفعل كل ذلك في مشروعي القادم ..
فأنا بضعة شهور في التفكير ..
ملأ الناس اللحم في الصفائح والعصير والحليب في الكرتون والماء في القناني البلاستيكية ، وصنعوا الثياب من الصوف والقطن والنايلون والبيرلون والأغريليك والبوليستر ، وغلفوا الأدوية في الألمنيوم ، وصنعوا البرادات ليضعوا فيها الطعام ، والتلفزيونات والكمبيوترات ليروا فيها المباريات وأخبار العاهرات وآخر الحروب والمخترعات ..
صنعوا كل شيئ لتقنين كل شيئ .. ليكون بجانب الإنسان يحركه بضغطة زر وهو يتثاءب . جاءه الماء والغاز في أنابيب ، والتصقت الكهرباء عبر الأسلاك على الجدران .. وبقي هو يتثاءب.. كسولاً كثعبان السقف يتثاءب .. بحاجة إلى المضادات والمنشطات والمثيرات والمقبلات ..
حصل الناس على كل شيئ وأفسدوا كل شيئ .. وصاروا أكثر حاجة إلى الكثير من البدائيات والبدهيات .. وأنا في مشروعي سألبي الكثير من الحاجات..
***
أخذت أكتب، وأنا في غرفة جدي ، والثعبان في السقف فوقي ، والفئران في الجدران حولي ، والعناكب تتأرجح عند الزوايا .. والعصافير على شجرة الدار ، والدقائق بين العشب وفي التربة .. مع هؤلاء أخذت أكتب في مقدمة المشروع على الشكل التالي:
" بما أن الناس اخترعت كل شيئ ، السيارة والطائرة والصاروخ والمدفع والقنبلة ، وبخاخات الصراصير ، وبخاخات العطر ، وبخاخات الشعر .. ووسائل الاتصالات ..
وبما أن الناس عملت مصانع تنتج المعاطف والقمصان والبناطيل والجرابات والشلحات ..
وبما أن الناس خلطت الشحم باللون بالعطر بالزرنيخ لتعمل منه أحمر شفاه أو كريمات ..
وبما أن الناس قد رشوا الفواكه والخضار بالكبريت أو بمضادات التعفن أو لقتل الحشرات ..
وبما أن الناس قد أخرجوا الدخان من أفواههم ومناخيرهم كخروج الدخان من المدافئ والنفاثات ..
وبما أن الناس قد صنعوا اللبان والمسهلات ..
وبما أن الناس تحدثوا لبعضهم عن الغدر والخيانات .. وألقوا في كل زاوية الكثير والكثير من النفايات ..
وبما أنهم جعلوا من الشجرة دخاناً .. ومن الطعام قاذورات ..
فقد صنعوا كل شيئ..
صنعوا كل شيئ يفسد الهواء ..
ومشروعي يقوم على أن أصدّر من بيت جدي لمدائنهم هواءً لم تفسده الصناعات .
سرقت الهواء ثم حبسته في زجاجات ، كما حبسوا كل شيء آخر ..
ولذا فقد كان لابد لي من أن أقف في بيتَ جدي ، وعند العشب والحيطان .. وأمام القط والفأر والثعبان .. وأن أريقَ دمعاً طالباً منهمُ الصفحَ والغفران ..!
*******
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|