|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
" إنسانٌ يعيش من أجل قصره،
وإنسانٌ يموت من أجل جحره"
|
|
الــجحـر |
نيقوسيا 31/8/1997
تماوجت حورية مع مقعد السيارة الفخمة الفارهة أثناء الطريق بما يكفي، وعندما أوصلاها، زوج أختها وأختها إلى مدخل الحي القديم المتهالك، كان عليها أن تفتح الباب الخلفي اليميني وتنزل حاملةً كيساً من البلاستيك الأسود فيه قطعة قماش حديثة أهدتها إياها أختها في زيارتها تلك.. تنزل وتطبق خلفها الباب ذا الوقع الثقيل اللاصق بإطاره والدال على مدى ثقل المال الذي دُفع في هذه السيارة الفخمة التي تركبها أختها كل يوم تدور فيها شوارع البلدة تشتري من هنا وتزور هناك وتصبّح على زوجاتٍ متأنقاتٍ متأنفاتٍ، تدور وتجول وتلف إلى أن أصبح جسدها ملفوفاً دائرياً كلفَّة عرق الزنبق.
نزلت حورية وابتسامة توديعٍ لأختها وزوجها وميلة رأسٍ مشجعةٍ على النزول لشرب القهوة في منزلها المتواضع.. أجابها زوج أختها:
- شكراً.. عندنا زيارة.. سلامي للأستاذ مصباح..
أما أختها فابتسمت بتعالٍ، وقالت:
- شكراً يا أختي.. عندنا زيارة.. وأخشى أن أثير حفيظة جيرانك بهذه الثياب التي ألبسها.. دعينا نراك كلما كان لديك فرصة - (الفيلاّ) مفتوحة لك في كل وقت..
أما حورية فلم تعد تسمع باقي كلمات أختها بينما كانت السيارة الفارهة المتحركة ككتلة ضخمة مرنة تنطلق باندفاع رصينٍ عبر بركة ماء وحلية صغيرة.. فتثير رذاذاً طينياً حولها.. ينال طرف ثوبها بعضاً منه، تتابع حورية تمتمتها:
- لعن الله الأغنياء.. لماذا مصباح هو صاحب المرتب الذي لا يشتري عجلة سيارة كهذه طيلة العام..؟
وعندما تتابع خطواتها باتجاه دارها - دار زوجها مصباح المتهالكة التي ورثها عن أبيه - خيل لها أن أختها
لم تكن صادقة في ادعائها أنها لا تريد إثارة حفيظة الجيران بثيابها الثمينة، بل إنها لم تدخل الحي والدار لأنها قد تشعر بصغر ونساء الحي يتذكرن ويذكرن أنها أخت لحورية زوجة مصباح القابعين في جحر حجري طيني من بقايا الزمن الضائع بين الشقوق والأحجار وعفاريت الأتربة..
ابتسمت حورية عندما استقبلها كلبها الصغير بعواء خفيف فيه ترحاب ظاهر..
* * *
حورية أنثى بانسدال الشعر واستدارة الوجه وشق الجفن ورفة الهدب وفتحة الثغر ودقة الأنف واستطالة العنق وغنى الصدر وتناغم الأطراف والجسد، جلست على كرسيها إلى الطاولة الخشبية ذات الساق الرابعة المربوطة بشريط حديدي فيه مسماران، جلست وأمامها الكيس الأسود المشقوق تبرز منه قطعة القماش المدلاة على الجوانب.. قطعة قماش مما رأته ذات عصر في واجهة مكان ما في سوق ما يتمشى فيه عارضو الأزياء المجّانيون على رؤوس أصابعهم يتحدثون همساً ويشربون العصير على مقاعد ثلاثية الأرجل عالية بلا مساند خلفية، ويلوكون السندويش النحيل على مهل في محاولة لامتصاص اللذة منه..
قطعة القماش أمام حورية، وحورية تضع مرفقاً على الطاولة فتصر الطاولة بصوت قصير استعارته من ناعورة قديمة، ثم تسند ماتحت فكها الأيمن وحتى صيوان أذنها إلى راحتها وتثبت عينيها في قطعة قماشٍ جميلة، لكنها..
" المصيبة بالنسبة لحورية ولمصباح أن لديهما دائماً كلمة (لكن).. وكلمة (لكن) هذه لا تعرفها لا أختها ولا زوجها ولا كثير من الناس..
قطعة قماش جميلة، لكنها.. لكنها ليست هي الخيار الأول لأختها.. بل بالتأكيد هي الخيار الأخير.. قطعة قماشٍ جميلة، لكنها .. تحتاج إلى خياطة بمرتب مصباح طيلة الشهر..
قطعة قماشٍ جميلة، لكنها ستجعل منها امرأة مثل ثوب ملون جميل يمشي بين أثواب دون ألوان..
أحست بيدها (تنمِّل) تحت ضغط رأسها المتراخي.. بينما كانت تسمع نقر بابها..
دخلت جارتها حاملة ابنها الصغير - ابن حورية ومصباح- كان الطفل فرحاً بين يدي الجارة، وكان الطفل أكثر فرحاً بين يدي أمه:
- شكراً أيتها الجارة العزيزة..
- لاشكر على واجب.. كان الصغير لذيذاً لذة الوردة الندية ولم يتعبني أبداً.. حتى أنه لم يتبرز ولم يبول.. طفل تمثلت فيه الملائكة.. اتصل الأستاذ مصباح إلى عند جارنا البقال وهو يبلغك أنه لن يأتي اليوم فعنده عمل إضافي.. أعان الله زوجك هذا، فهو مصباح نظيف وسط سخام سميك..
- شكراً أيتها الجارة العزيزة، واجلسي لنحتسي القهوة معاً..
ولما استأذنت الجارة وغادرت، وبقيت حورية وأمامها صغيرها، شعرت برغبة جامحة في وضعه فوق قطعة القماش الثمينة على الطاولة ممسكة إياه بيديها من جانبيه ومبتسمة في وجهه ابتسامة هي الوحيدة الحقيقية طيلة النهار..
نظرت في عينيه، و (شقرق) الطفل وارتعش محاولاً القفز إلى حضن أمه وفيه كتلة شوق للف يديه حول عنقها..
في تلك اللحظة نسيت أختَها وزوجَ أختها والسيارةَ الضخمة الفخمة، وتخايلت زوجَها مصباحاً وجارتَها الحنونة يرقبانها وابنها من نافذة ليست مستقيمة الحواف،
في تلك اللحظة قفز قلبها بدم نقي نقاء الوردة الحمراء في الفجر، وطارت سعادة الدنيا من كل الدنيا لتسكن خلاياها، فترتعش متعة كمتعة اللقاء، وهي تحس بابنها المفرط في ابتسامته الفردوسية، يقذف كل الذي تجمع في أحشائه من نفايات برازية فوق قطعة القماش الجميلة الثمينة..
ابتسمت حورية ، قهقهت، ضمت طفلها سعيدة حتى الخبل والدموع تسح من عينيها …
* * *
مال الطقس إلى البرودة في تلك الأمسية، وبدأت أجواء تلوح بريحٍ شتوية، ومع اسوداد الفراغ دخل الأستاذ مصباح داره..
عند البوابة لامس الجدار بسطح كفه الأيمن، ثم بسطح كفه الأيسر، وكأنه قد التصق بالجدار مستشعراً برودته التي دفقت في داخله حتى عصبه وخلايا كبده.. جر راحتيه وحمل كيسه الورقي ودخل الدار..
- مساء الخير!.. كيف حال الصغير؟..
قفزت حورية مبتسمةً فرحة، أخذت الكيس، قبلت مصباحاً من خذه..
- الصغير، ابن بطني بخير، نائم بعد أن اغتسل في الطشت، وملأ المكان رشاشاً وهو (يطّبش) في الماء، اسكت يا مصباح، لقد عملها اليوم.. لقد قال ما لم أستطع لا أنا ولا أنت أن نقوله .. ارتاح هو وجعلني أنا أرتاح..
جلس مصباح، وحورية تتمدد وتتوسد فخذه، والصغير راقد هادئ..
مصباح يقطع التفاحة، يضع بعضاً منها بين شفتي زوجته، ويأكل بعضها الآخر، ويستمع إلى تفاصيل الزيارة التي قامت بها إلى أختها وقطعة القماش، وفعلة الصغير..
ويتمايل في قلب مصباح كل حزن العالم، وكل فرحه:
- " لا تتحدث يا مصباح عن كل الشقاء طيلة اليوم.. لاتتحدث عن جحر الحياة البازلتي تنحت فيه بعود خشب طري حي.. لا تتحدث يا مصباح عن الذين يكسبون ولايتعبون.. وعن الذين يتعبون ولا يكسبون!.. حورية ليست بحاجة إلى إقناع.. فهي الرفيق والحبيب والقلب الدافئ .. لا تتحدث يا مصباح عن مرضٍ يقرص في النخاع ويفت في الزمن الباقي، فهي مرتكز السعد والسعادة وهي لقاء الأبد في نقطة اللحظة، لا تتحدث يا مصباح، واترك كل يومٍ يحكي حكايته وابتسم طالما أن حورية تبتسم، وطالما أن الصغير قد غاط وبال على أثمن ثوب من أجمل واجهة تأسر عيون أصحاب الخزائن العامرة بلا عرق أو دمع.."
ويتمايل في قلب حورية كل حزن العالم وكل فرحه:
- " لا تتحدثي يا حورية عن مسكن أختك، وعن فرش وحمامات وحدائق ونوافير ومروج وأشعار أختك.. لاتتحدثي يا حورية عن قطع الذهب والماس الملقاة مقابل المرايا وبجانب الأسرة، وعن عطور واردة منمنمة تدغدغ الاشتهاء ورغبة البلع .. لا تتحدثي يا حورية عن بيت قديم رطب كسكينة يفت في العظم، وعن طشت غسل واغتسال وتغسيل، وعن زاروبة ملحقة تتجمع فيها ذبابات الحي على مفرغات البطون..
لا تتحدثي عن الرغبة في ثوب من يد مصباح، وعن تفاح من الصنف الأول تتذوقينه، وعن نصف كيلو من اللحم كل أسبوع يدخل المطبخ بدل الصراصير التي يفتك بها جوع أو بدل قطيع من الفئران يمر، يتفقد فلا يجد، ثم يعبر.. لا تتحدثي يا حورية .. لا تتحدثي.. مصباح هكذا.. يفكر في حل مشاكل الدنيا، يتحدث عن حلولٍ في خياله.. يتحدث عن مجتمعات غير موجودة ، ولم تكن أبداً على هذه الأرض، لا تتحدثي ياحورية، فلتنسِ الماضي، فلتنسِ المستقبل، فلتنسِ الجحر الذي تعيشين فيه، وكل ما حولك، وانظري في عيني ابنك الهادئ الباسم، واقضمي التفاحة البسيطة من يد مصباح، فهي أحلى تفاحة في الدنيا.. حتى لو كان ثمن القنطار منها قرشاً واحداً.."
كان كل منهما صامتاً هادئاً، لم يتحدثا تلك الليلة، وبقي كلاهما يجمعان كل ألم الدنيا وعلى شفاههما ابتسامات مثل ابتسامات الصغير وهو (يأكل الرز مع الملائكة)…
* * *
* * *
تحت شجرة ضخمة في حديقة الأخت الواسعة، تكورت حورية جالسة على مقعدها جامعة ساقيها المطويين بيديها وواضعة رأسها بينهما.. ساكنة كصمت العاصفة.. وعلى البعد، على طاولة متسعة تتكوم فوقها أطايب المأكولات، ويتجمع حولها أصدقاء وصديقات أقلام الحمرة والظل، تجلس الأخت ويجلس زوجها على رأسي الطاولة تلك.. تنشد العيون باتجاه حورية ويتوزع الهمس على الشفاه والآذان..
- مسكينة!…
- ماذا أفعل؟ أنا أختها، ماذا يقول الناس لو تركتها وحدها؟.. مصيبة جاءتني من عالم الغيب.. قولوا لي هل .. هل أجد لها مكاناً في مأوى خيري مثلاً، أو في مصحة، أو أتركها في دارها وحدها بعد أن مات ابنها وزوجها؟..
- ليس المهم كيف ماتا، وليس هناك فرق.. الإنسان يموت في حادث أو في مرض أو في جريمة..
- وقد يموت من الشقاء أومن الجوع أو من مرضٍ لا يعرفه هو أو لا يعرفه الطب.. عفن كبدي.. سرطان خفي، اختناق قلبي، آلاف القصص.. مرض وراثي.. أي شيء..
- يا جماعة!.. هل تعلمون أن الأخطار المحيطة بحياة الإنسان في كل لحظة هي أخطار لا يمكن تعدادها؟..
- أتريدوننا أن نأكل؟ أم تريدوننا أن ننوح؟.. اتركوا هذه المرأة وشأنها!..
- المشكلة أنها أختي.. عندي من المشاكل أنا وزوجي ما يكفي، البارحة فقط علمنا أن أسعار العقارات قد هبطت ولو حسبنا خسارتنا لكانت مبالغ ضخمة من ذوات الأرقام السبعة..
تفضلوا يا ناس، خذوا راحتكم..
- أليس من الضروري أن تُدعى أختك إلى الطعام..؟
- سأرسل الخادمة لتأخذ لها وجبة مشبعة! .. تفضلوا ياسادة..
لاك الجمع الطعام، أصوات هامسة، وصينية عليها صحون فيها بقع طعام أمام حورية المرأة المكورة تحت الشجرة..
وعندما تمتلئ البطون، تنفجر حول الجمع موسيقا آتية من أميركا اللاتينية…
- يا الله يا صبايا،..
يهمس رجل في أذن زوجة صديقه…
- أنا أحب رقصة اللمبادا هذه، وأتمنى لو استطعت أن أمارسها مع من أحب، ولكن ليس على طريقتنا بل على طريقة الأصل في أميركا اللاتينية..
هنا يؤدونها بأدب، وبدل أن يقوم بها رجل وامرأة ، تقوم بها امرأتان أو فتاتان..
فيهمس رجل آخر..
- تالله لفي ذلك إثارة أكثر!…
* * *
انبسطت كرة حورية وانسحبت بهدوء تاركة الطعام تحت الشجرة، ثم دخلت (الفيلا).. وتحاملت إلى الغرفة المقررة لها في الطابق العلوي في الزاوية الغربية .. وجلست قبالة النافذة.. وعبر أغصان شجرة متمايلة، وعبر موسيقا اللمبادا التي تدخل أذنيها غصباً، طارت مقلتاها بعيداً.. نحو القبر الذي يضم ابنها وزوجها، وهناك تراهما متعانقان في لباسهما الأبيض، ثم تعود لتستعرض تساؤلات الحياة بثورة داخلية فيها حنق وبغض ورفض لكل القيم بشرها وبخيرها .. ثم تحس بشرخ من مفرق الشعر إلى أخمص القدم وبجسمها يتخرّط قطعاً من البطاطا برائحة الجسد البشري المنتن، لا الدمع يجري، ولا الأجفان تهتز، ولا الأيدي ترتعش، ولا الفم يبصق، ولايحدث شيء ظاهري..
الأخت ترقص اللمبادا، والرجال تأكل لحماً وخساً، وتلحس لحماً وكريماً باريسياً، وحورية تنكمش،
في ساعة، في ساعات ينقبض العضل مشدوهاً، اليباس يلف الزرع والضرع والكحل والتفاح المر، فترحل نفس حورية إلى جحرها الجميل، حيث غاط الصغير وبال على فن إلباس الثراء، وحيث تمددت متوسدة ساق مصباح، وحيث تحول طعم التفاح الشاحب إلى طعم تفاح عسلي.. الجحر ذاك هو حياتها.. هي غريبة في قصر أختها.. ليس ذاك هو مكانها..
هنا لو بكت لضحكوا خلف نظرة الحزن، هنا لو صرخت لاقترحوا خفية إرسالها إلى مصحة عقلية..
هنا لو جاعت لأطعموها طعاماً لم ينبت في هذه الأرض، ولو عطشت لأسقوها ماءً فرنسياً مستورداً…
هنا لو رأت وردة واقتربت لشمها لاكتشفت بأنها بلا حياة ولا رائحة..
هؤلاء ليسوا ناسها.. هذا القصر ليس لها… هذه ليست أختها، لم يخرجا من صلب واحد ومن بطن واحد..:
- " اكتبي يا حورية على ظهر نملة تستطيع أن تخرج من الشقوق، وتسري بصبر إلى قبر مصباح وابن القلب والعصب.. اكتبي يا حورية.. أن هناك حياة أفضل من اللمبادا..
اكتبي ياحورية على ظهر النملة أن الكون قد مات أو لم يولد بعد.. اكتبي ياحورية على ظهر النملة أن عالماً من حب حورية ومصباح والقلب الصغير هو في الطريق إلى الولادة.. وسيتألق كما تتألق الشمس، وسيمتد كما يمتد الربيع، وسيسري سريان النسمة، وسيبتسم كابتسامة ابن حورية..
أرسلي النملة يا حورية تدخل التراب وتخترق الشقوق وتسري إلى عند الحبيبين.."
* * *
صباح اليوم التالي وُجِدَت حورية منكفئة منغرسة الوجه واليدين في تراب القبر.
صَعْبٌ رفعها وتمديدها، فقد كانت باردة متشنجة وعلى تقاطيع وجهها ابتسامة ترابية صفراء، وقد كتبت بدمع أصابعها على ساعدها الأيسر العاري:
" أنا نملة ، وقد اخترت قبر الحبيبين لأسكن فيه"…
![]()
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|