عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

 "كلمات الحب وحدها وعاء فارغ..

أما ما يملأ الوعاء فهي أشياء أخرى."

 

الحــب

نيقوسيا 18/5/1997

سيرة أم صالح سيرة طرية ندية لم تشبها شائبة خلال عمر طويل تجاوز سنوات زهير بن أبي سُلمى، فهي فتاة الحقل والمرعى النشيطة، وفتاة الكتّاب حافظة القرآن، وفتاة الجمال الوجهي المحلّق بالغطاء الأبيض النظيف، وفتاة المطلب والمشتهى، وصاحبة الكلمة المسموعة لدى رفيقاتها في الحقل والبيت والتنور والساقية وفي شغل الإبرة..

أصغت لأبويها عندما نصحاها بقبول الزواج من شيخ الحارة مهاب الجانب، أصغت جيداً ولكنهما تركاها بعد نصف ساعة وهما يبتسمان ويتمتمان ببقايا كلمات:

 - الله ما أفهم هذه البنت وما أشدّ قدرتها على استشفاف المستقبل! ليتها كانت شاباً ينفعنا!.

 - هي أفضل من أيِّ شاب إن كان أمرداً متلفاً أو هادئاً أجوفاً.

تعلمت سلمى القراءات الدينية الأولى في كُتّاب القرية. قرأت قصص الأنبياء، وقصص الشعوب المبسطة، فانبسط خيالها ولامس العوالم البعيدة، فكانت ترى صورة والدها عامل الحقل يزرع خارطة الكرة الأرضية، ويصطاد السمك من أعالي البحار بقارب البحار الياباني، ويصارع الوحوش مثل الابن الأفريقي، وينهب الأغنياء ليعطي المقعدين مثل علي بابا، ويرفض أن يحكم بين الناس على طريقة قرد ابن المقفّع.

كما رأت أمها تتنفس أنفاس سندريلا في صغرها إلى أن تلتقي  أباها أميراً.. ووجدت في أمها تقاطيع حواء الجنة دون أن تكون صديقةً للأفعى، وتحولت صورتها إلى تقاطيع ذات النطاقين تأخذ الزاد إلى المهاجرين في سبيل الله.. بل وإلى تقاطيع أم غوركي ملجأ الباحثين عن عدلٍ غير موجود.

أم صالح حملت اسماً لفتاة شعبية، غير أن الناس نسوا اسم عذريتها وانطلقوا في ترديد (أم صالح)، وبقيت أم صالح أماً لصالح عندما التقت بالفتى الذي أرادته أن تكون ظلاًّ له، وأرادها أن تكون لُحمته وسُداه، طالما بقي القلب ينقبض وينبسط وطالما بقيت شرايين الدماغ تحمل قطرات الدم.

بدا أبو صالح في وقت ما مثل فارس الحصان الأبيض، يحارب الطواحين ليس من غير جدوى، أو مثل حدّاء الليل يسري بين التلال، أو مثل قرار صارم للحجاج، أو مثل نقطة صبحٍ في ليلٍ مظلم..

وكما نسي الناس اسم أم صالح العذري، نسي الناس اسم أبي صالح في الهوية، وأصبح من يسمع اسم أبي صالح تنتصب أماه مرآة يرى فيها أم صالح، ومن يسمع اسم أم صالح تنتصب أمامه مرآة يرى فيها أبا صالح..

والتصقا..

سبعون عاماً..

بنيا داراً من الحجر والطين، حجرة للحياة وحجرة لفلذات الأكباد وحجرة للضيوف، ثم أماكن للطهو والنظافة.. وفسحة عزيزة لشجرتين من الزيتون..

كل امرأة تبث لواعجها ورغباتها ومشاريعها عند أم صالح.. وكل رجلٍ يطلب نصحاً و(يفشُّ) هماً عند أبي صالح..

 وتدور دائرة الأسرار ضمن حلقة الوصل الوحيدة بين رجال ونساء ذلك الموقع التجمعي لقلوب الناس، حلقة الوصل الوحيدة وهي عبر أبي صالح لأم صالح، وعبر أم صالح لأبي صالح، يتحاوران في جلساتٍ استشارية مديدةٍ يوميةٍ في كل قضيةٍ تخصهم وتخص غيرهم..  ويخرجان بشيءٍ ما.. فيقولان عبر شفاه أم صالح، أو عبر شفاه أبي صالح ما يجوز وما لا يجوز .. فأصبحا آمِريْن بلا أمر، وحاكمين بلا كرسي، ومرشدين بلا نزعة، وأغنياء بلا مال.

اعتمر ذلك البيت، وأنشأ ولداً وابنتين: صالح وصالحة وصلّوحة.

سافر صالح وعاد ثم سكن داراً مع زوج في أقصى الطريق.. وتزوجت صالحة من مدرس القرية الوسيم، وتزوجت صلّوحة من ضابط شاب أحب بلده ورفاقه حتى الشهادة، فبقيت ترعى طفليها وتحافظ على الذكريات الباقية من زوجها..

مرت أعوام طويلة كان فيها يوم الجمعة هو يوم الجمع في بيت الجد والجدة… حيث تلتقي الأجيال الثلاثة، وحيث عرسٌ من السعادة يتكرر كل أسبوع.. لكن أسرار أبي صالح وأم صالح تبيت دوماً عصية على الأبناء والأحفاد والجيران وهرة الدار. إلاّ أنها لم تكن بعيدة عن شجرتي الزيتون العجوزتين ترافقان وتتنفسان هواء أم صالح وأبي صالح وتريان عبر موجات الظلام الرجل والمرأة وعلى وجهيهما خطوط الزمن العتيقة يضمان بعضهما ملتصقين كل الليل في هدوء وانسجام وأمان، بقلبين منتظمي الضربات لايعترفان بأفول الزمن.

*                 *                      *

 في صباح ما، هادئ هدوء الصحراء، أحست صالحة وهي تقترب من بيت أبويها بأن شجرتي الزيتون متقاربتين متداخلتين في عليائهما حتى الالتصاق، وعندما مرت بينهما متجاوزة صحن الدار سقطت حبتا زيتون سوداوتان مخلِّفتان زيتهما على جبينها..

تجاوزت صحن الدار، نقرت الباب، طرقته، زادت طرقاً.. بحثت عن شقٍ في النوافذ.. لم تهجْ، لم تصرخ، كانت مذهولة فقط، ثم نجحت في الولوج إلى الداخل..

*                 *                      *

رُوِيت حكايات.. قيل إن دخول صالحة فاجأهما في وضعٍ سريٍ اعتادا عليه فقررا أن يجمدا فيه إلى الأبد.. قيل إنهما دعيا الله أن يبقيا معاً في الحياة والمبيت والموت وأن الله استجاب لدعائهما.. وقيل إنه قرر أن يحشوها في داخله وقررت هي أن تحشوه في داخلها، فتداخلا وأصبحا كتلة واحدة.. وقيل أن أم صالح عندما رأت أبا صالح جاف العروق حاولت إرواءه من فيها ومن صدرها فجفّا معاً حتى اليباس.

وقالت صالحة:

 - وجدتهما قطعةً واحدةً متماثلةً غابت فيها الزوايا.. فلم أدر أيّ الوجهين وجه أمي وأيهما وجه أبي..

 

واستمر الجدل طويلاً فيما إذا كان يجب أن يُدفنا كتلةً واحدةً في قبر واحد، أم أن تُجرى عملية جراحية لفصلهما، ووضعهما في حفرتين متباعدتين.

قالت صالحة:

 - لو استطعتم فصل جسديهما، فروحهما لا تنفصلان، وأنتم لا تعرفون من منهما أمي ومن منهما أبي على أية حال.

 

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm