|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
"هذه الأرضُ تُخرج الخيرَ
من قلب الوحل"
|
|
الهاربـون |
نيقوسيا 29/6/1997
حللت في هذه الأرض…
قرأت قصةً تتحدث عن جمال امرأة يؤدي إلى علاقة إنسانية وروابط عائلية.. ألقيت بها بعيداً..
قرأت قصةً أخرى في مجلة عن محبة المحب الجارفة لزوجةٍ فائقة الانسجام في التقاطيع وخارقة الأنوثة، فصفعت الجدار بالمجلة…
رأيت ابنة الجيران الجميلة من ثقب النافذة، تأملتها، طويلة الشعر ملفوفة القوام ذات وجه صبوح، وصوتها يصدح فيصلني بعضه، فأعض على شفتي وأحكم إغلاق النافذة وأسدل ستارةً مزدوجةً خلفها..
قالوا: الحديقة خلف السور فائقة الروعة، فرفضت الذهاب إليها..
البركة الجميلة التي تطل من صحن الدار هدمتها ورحّلتُ حجارها إلى مكان تبول فيه الكلاب..
رأيت تفاحاً جميلاً بخد أحمر أنتجته شجرة الدار، وفي اليوم الثاني وجدها أهل الدار مجدوعة من جذورها..
قالت امرأة حزينة إن رائحة الياسمين القادمة من خلف السور تنعش النفس فهي عطرية رائعة.. فقتلت جرذاً وتركته يتعفن بين أغصان الياسمين..
والنهر الذي يشق تراب الأرض بحواشيه الممتلئة حبقاً ورشاشاً عطرياً من الورد قَرِفَهُ الناس لكثرة ما أصبح فيه من براز وديدان..
جعلتُ هذه البلد مقيتة، شجرها عفن، ووردها روثٌ وماؤها آسن…
فابتسمتُ ابتسامة الرضا…
ارتخيتُ على أرض جرداء فيها كومةُ بقايا تبث رائحتها، وبجانبها يجري النهر ثقيلاً بلون رمادي وقد مات الحبق ويبس الزيزفون وخالط الياسمين تفاعلات الجرذ المتفسخ.
* * *
ارتخيت وابتسمت..
لم يبق شيء جميل .. الفتاة مزقتها سكاكين الحرب، نصف النساء بثدي واحد، ونصف الرجال بعين واحدة.. وقد استبدلوا في الأطفال أنوفهم بثقبين بمستوى العينين.. بحثت الناس عن حَبّ الشعير في روث الخيل، وشارك الناس الهررة في البحث في أكوام القمامة التي فاقت في علوها أي دار..
سمنت الهررة ، فاصطادها الناس وباعوها لحم دواجن..
عاد عصر الغزو، ونسي الناس عصر الجمال، وحينما كانوا يذكرونه بالخير، كنت ألقي لهم بديَكة تصارع بعضها بعضاً، وبجرذ وثعبان وهر في حجرة بلا ماء ولا هواء.. فتتأجِج نار الغزو..
ويغزو القديس بيت شيخ فيقتل الرجل ويرفع الرأس على سن الرمح، ويسبي المرأة، ويستعبد الأطفال وينهب البيت..
فيقوم شيخٌ بدلق السم فوق بيت القديس، ويغرس نفسه في جسد المرأة وهي ورجلها في حالة نزع، وأطفالهما يتكورون ويلتصقون بزبد يتفرغ من أفواههم..
* * *
ارتخيت وابتسمت…
جاء السمر والبيض والشقر والصفر.. قال أحدهم:
- كانت هذه الأرض ذات تاريخ كُتِبَ بأحرف جميلة..
ساطوري شقه نصفين.. فحملوه إلى بلده، حيث لست موجوداً.. رأيته في التلفاز ملفوفاً بالعلم وبآلاف الأغصان الزهرية، محاطاً بآلاف البشر الدامعة…
حطمت جهاز التلفاز، علمت بعدها أنه توجد ملايين الأجهزة التي لا أستطيع تحطيمها..
ذهبت إلى النهر الرمادي وألقيت فيه بحجر فعبثت الرائحة في أنفي، فَرِحْتُ، ولكن رجلاً بطولي قال إن هذا النهر هو واحد فاسد من ألف نهر رقراق..
الياسمينة التي احتضنت الجرذ ماتت، وخرج من جذرها نبت جديد شديد الخضرة..
والمرأة بثدي واحد أنجبت من الرجل ذي العين الواحدة أطفالاً كُثُراً بثديين وعينين..
وأشرقت الشمس، واخترقت أوراق الشجر، فجففت القاذورات وحولتها سماداً واصطادت الديدان وذوبت روائح الصديد..
وغابت الأفاعي، وغابت الجرذان، وبان قاع النهر وبرعم الحبق، وفرّع جذر التفاح.. وأنا أرقب مذهولاً..
لقد توقفت الكلاب عن التبول..
رحت اركض يمنة ويسرة..
بحثت عن جرذ، عن سم، عن ديَكة، عن عقارب، عن عناكب وأفاعي..
رأيتها تجري.. وسمعت صوتاً جماعياً.
- هذه الأرض ليست أرضنا..
جريت خلفها.. توقفوا، توقفوا:
- هذه الأرض ليست أرضك أنت أيضاً.. اجر معنا فأنت من رفاقنا..
- توقفوا… توقفوا… عندنا من يساعدنا من أبناء الأرض.
- اهرب معنا قبل أن تذوب وتندثر .. فهذه أرض تخرج الخير من قلب الوحل وتخرج الجمال من قلب القبح وتخرج العطر من قلوب الجرذان…
- توقفوا … توقفوا… بعض الأغراب سيساعدوننا!..
- توارَ قبل أن تختفي.. لا الأغراب باقون، ولا الديك باق، ولا العقرب باقِ، ولا الجرذ باقٍ، ولا أنت باقٍ…
رأيت القوم الهاربين يبتعدون، فالتفت خلفي، رأيت الأشجار تترعرع، وتبث على أغصانها الزهور، تنتقل فيها عصافير ملونة، وسمعت خرخرة تزغرد في مياه النهر، وأحسست بنسمة ناعمة معطرة.. خرجتُ من نفسي غيظاً.
أخرجت مرآةً صغيرةً من جيبي، نظرت وحدقت فرأيت أن صورة الجرذ والفأر والأفعى والديك والعنكبوت والليل الحالك، وعالم الأموات.. مازالت مطبوعة على المرآة..
نظرت بعيداً في فلول الهاربين.. ركضت، لحقت بهم وكنت أتمتم:
- ولكنني سأعود مرة أخرى!..
![]()
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|