عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

"ليس التصحر هو التهام الأخضر

 وحسب، إنه أيضاً التهام

الإنسان في داخلنا.."

 

الحـديقة

نيقوسيا 9/5/1996

تحت عرزال دارها الصغيرة وقفت سلمى سعيدةً ترقب حباتِ الحصرم تتحول إلى لون أحمر متماوج صارخ الجمال، كما تدغدغ أوصالها نسمة صيفية صباحية تخترقها حتى الكبد وتمسح صدرها حتى التجاويف فتبعث في جسدها نشوة تمنت لو أن لديها حبيبها المنتظر تشاركه هذه اللحظات..

أمسكت بيد المقشة وراحت باندفاع السابعة عشرة تجمع ما تحت العرزال من بقايا.. فيدخل صوت (القشقشة)  في نغم الحفيف فيتحولان إلى موسيقا سعيدة تتوافق مع إيقاعات قلبها الصغير.

دار سلمى القديمة هي جزء من خط ملتف من البيوت القديمة تداخلت فيها بعض الأبنية الضخمة، هذا الخط الدائري يحصر داخله ساحة واسعة بمئات الأمتار كانت في الأساس ساحة القرية السعيدة..

دار سلمى وبعض غيرها جزء من السطوح المنخفضة ضمن الخط الدائري، الذي، وبمرور الزمن يرى عوالم جديدة من الأبنية الطابقية، يسكنها أناس لا يعرفون بعضهم.. تشخر سياراتهم عند الصباح مخرجة دخاناً وصخباً صدئاً، وتختفي مخلفة صياحاً همجياً بدلاً من صياح الديوك.

لم ترَ سلمى كثيراً من الناس إلاّ منذ زمن قريب، فهي اعتادت منذ أن كانت في السابعة أو الثامنة أن تذهب إلى المدرسة الابتدائية القريبة لتحفظ القرآن والنشيد الوطني وجدول الضرب وتمارين الصباح، ثم تعود مبتهجة برفقة صاحباتها اللواتي غبن الآن مع أهاليهن في بلد آخر       لا تعرفه.

تعود لتساعد أمها في كنس صحن الدار وتقطيع الخضار ثم لكتابة قصة العصفور الذي بنى عشه بخط جميل على دفتر جميل، ثم لحل مسألة الحساب بترتيب سلّمي حتى أسفل الصفحة..

هذا الصباح تأخر عليها بزوغ الشمس، هكذا أحست، فميزانها البيولوجي قال لها إن الشمس تأخرت، والشمس في موعدها الطبيعي لا تتأخر.. رفعت سلمى ناظريها فرأت قرص الشمس يحاول اختراق البناء الذي ارتفع سقفاً جديداً.. غير أنه كان عاجزاً عن دفع تيّار الحياة من خلال غابات الإسمنت المتصاعدة ..

*              *                  *

سلمى مازالت سعيدة، فهي مازالت ترى ساحة الأمتار المائتين ترتفع فيها أغصان خضر لأشجار عتيقة ضاربة الجذور حتى مركز الأرض، ومازالت تسمع زقزقات العصافير الصباحية تشعشع في أذنيها في غفلة، وأناس العربدات الليلية مازالوا نياماً.. فكانت دائماً تقتنص البكور لتنصت إلى بقايا الكتلة الطبيعية في هذه الساعة حيث تغيب بعدها دورة اليوم بأكمله في قرقعات الصخب الأعمى وفي انتثار غبار ممزوج بدخان متباين في أسلوب تقريح شعب الرئات اللاهثة. سلمى تفرح في نبض الساعة الفجرية، كبطة تبلبل ريشها بجريان ماء الساقية، وتنتفض رَعْشَةً هي ذوبان الحياة عسلاً في كل خلية من خلايا الجسد الموّاج في لذة الوجود.

*              *                  *

قال أبو سلمى لأم سلمى، وكانت سلمى تسمع:

 - سيجعلون من هذه الساحة حديقةً جميلةً.. الحمد لله !‍.

وابتسمت سلمى‍‍‍‍‍:

 - الحمد لله !.

تخيلت مرور الجداول الصغيرة في شقوق صناعية، وانحباس العصافير في قفص كبير، وارتصاف الدروب ضمن الحديقة المسوّرة..

- الحمد لله !.

رضيت سلمى بالقرار الذي سمعته، فهي التي ترضى أو لا ترضى، رضيت رغم خوفها من أن تكون الحديقة زائفة، وتساءلت فيما إذا كانت تلك الأشجار الباسقة في خطر، أو أن الشمس ستتأخر في بزوغها.. فلا ترى الحبيب المنتظر  يعبر الدرب مع شروق الشمس باتجاه مكان آخر خارج الأبنية لتحمله الناقلات الضخمة باتجاه مقر دراسته العليا في فن المعمار..

*              *                  *

قال أبو سلمى لأم سلمى، وكانت سلمى تسمع:

 - في وسط الساحة، في وسط الحديقة سيقيمون تمثالاً للشاعر البحتري حيث يلقي قصيدته التي يصف فيها بركة الخليفة، ففرحت سلمى ..

قال أبو سلمى لأم سلمى، وكانت سلمى تسمع:

 - لقد عدّلوا، قرروا إقامة نصب تشكيلي حديث بدل تمثال البحتري، يعبر عن الأمجاد.

وقالت سلمى في نفسها: لا بأس،.. سيظل الحبيب المنتظر يمر عند كل شروق شمس، إلى أن يأتي اليوم الذي سيدخل فيه الدار..

قال أبو سلمى لأم سلمى، وكانت سلمى تسمع:

 - لقد عدّلوا ثانيةً، قرروا إقامة مبنى صغير يخدّم الحديقة من دورات المياه إلى الكشك الصغير إلى مقاعد المتنزهين..

حزنت سلمى قليلاً، لكن الفرح مازال طاغياً.. فالحبيب المنتظر مازال لديه مكان يمر فيه عند شروق الشمس حتى لو تأخر هذا الشروق ساعةً أو ساعتين.. ولا بدّ من أن يدخل الدّار..

قال أبو سلمى لأم سلمى، وكانت سلمى تسمع:

 - هذا المبنى الصغير للخدمات، كما قالوا، لابدّ وأن تعلوه غرفتان لحارس الحديقة..

قالت سلمى لعريشتها: لكن شروق الشمس سيتأخر وتخفت زقزقة العصافير.. لكن لابأس على أية حال، إذ أن الحبيب المنتظر سيبقى يمر كلَّ صباح قائلاً صباح الخير.. وسأقول له تفضّل، ولا بدّ من أن يتفضّل ذات يوم..

قال أبو سلمى لأم سلمى ، وكانت سلمى تسمع:

 - قالوا إنهم  مضطرون لقطع الأشجار الأربعة الكبيرة من أجل ذلك!..

تمتمت سلمى: لكن أين ستزقزق العصافير؟.. العصافير لا تحب الأشجار القميئة المتباعدة ولا تحسّ فيها بالأمان، فلا تزقزق إلا مثل عازف ناي في ناد ليلي يحسب كلّ سحبة نفسٍ بما يعادلها من الليرات. ولكن لا بد للحبيب المنتظر من أن يمر كل صباح إن أشرقت الشمس أم لم تشرق، فهو مجبر على المرور من الطريق أمام البيت،  ولا بد من أن يقول صباح الخير، ولا بد من أن تنساق الأمور باتجاه أن يدخل البيت ذات مرة وأن يعلن عن رغبته في اصطفاء سلمى حليلة له تسمع ضربات قلبه.

قال أبو سلمى لأم سلمى، وكانت سلمى تسمع:

-  لا يجوز أن يضيع المكان في بناء قزم للتخديم، هكذا قالوا، فليكن التخديم ضمن بناء تجاريٍّ صناعيٍّ كبيرٍ تستفيد منه المنطقة بأسرها وستبقى الحديقة تحيط بالبناء باتساعٍ كبير .. هكذا قالوا..

*              *                  *

 

قررت سلمى أن تصبغ شفتيها أحمراً، وتُبوْدِر خدّيها، وتغسل شعرها بلونٍ أشقر، وتهصر نهديها بثوبٍ زاهٍ شفّاف، وتبرز أعضاءها فاتنةّ من خلال التحدباتِ والتقعرات المرسومة في ثيابٍ حديثةٍ ثمينة.. فلعل حبيبها المنتظر يمر كل صباح، حتى لو كان الصباح بلا شروق، فتدفعه الشهوة لدخول الدار.. ليستسلم لمفاتنها ويطلبها من أبيها لتشاركه كسب العيش ونوم الفراش والزّعيق مثل الجيران.

ارتفع البناء مكان الحديقة، أحاط به شريطٌ ضيقٌ من النباتات القزمة التي ما كادوا يزرعونها لتزهر ضعيفةً حتى تذبل وتموت..

قالوا إن البناء سيخدِّم المكان أفضل، فهو مركز تجاري يجلب البضائع والذباب، وصناعي ينتج المواد للتسويق، والغبار للتنفس، والصخب للأعصاب، وهو مركز سياحي يجلب الكرماء من الأرض العربية والحسناوات من أوروبا الشرقية والغربية وأقاصي الفلبين فتتعلّم بناتنا ويتعلم شبابنا أصول الصنعة..

قال أبو سلمى لأم سلمى، وكانت سلمى تسمع:

 - قالوا إن البناء سيجلب أوراقاً نقديةً كثيرةً نشم فيها رائحة الأغصان ونرى من خلالها أشعة الشمس ونسمع تغريد البلابل، وفيها دواء لكل الأمراض.. هكذا قالوا..

بكت سلمى فاختلط الكحل بالأحمر والأشقر بروائح المفرزات الجلدية المختمرة..

*              *                  *

في صباحٍ ما لم تشرق فيه الشمس، ولم تُسمع فيه زقزقة العصافير، ولم تسْرِ به النسمة، في صباحٍ لم يقل أبو سلمى لأم سلمى، ولم تكن تسمع سلمى، ولم يمر الحبيب المنتظر، في ذاك الصباح هدرت آلة فولاذية عملاقة تبعث من جوفها دخاناً ملتهباً يبتلع الطريق والبكاء والعويل.. هدرت آلةٌ عملاقةٌ جاءت من جوف جهنم، أتت على النسمة والزهرة والعصافير وقرص الشمس.

هدرت مبيدةً كل شيءٍ على عرض الطريق، حالقةً من وجه الأرضِ الدّار والعرزال وجثّتي رجلٍ وامرأة..

قبعت سلمى في زاوية القمامة، وآلاف الجزارين حولها.. بقيت قِطّةً مشوّهةَ غائبةً في جزعها، اختلط شعرها بجفنها بشفتها بقلبها بدمها بكبدها بديدانها بعانتها بالقمامة بالأوحال..

ثم لم تلبث فجأةً أن قررت أن تخرج من ذاتها، وتخرج للناس معلنةً بصوتٍ يشقُّ الدخان والهدير:

 - لقد قررتُ أن أعمل مومساً………….

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm