عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

"بعد مضي آلاف السنين مازلت

أحلم بمدينة أفلاطون"

 

البداية (الحلم)

نيقوسيا 1/7/1997

تحركتُ في فراشٍ وثير من حرير ناعم، طري كأنه صفحة الماء، وتحرك الفراش معي حاضناً إياي كصدر امرأة في العشرين.

نسمةٌ فجريةٌ، وألوانٌ مندمجةٌ مابين الشروق والأفول، أرى برتقالة الغروب الضخمة فقد لامستها..

عتمةٌ حولي تزرع في قلبي السكينة فيَعُدُّ ضرباتٍ قليلةً مستريحةً، ويرددُ نَفَسي مراتٍ بطيئةً عميقةً وفجرٌ يتألق فيوقظ في خلاياي لذة الاستيقاظ والانتعاظ.

رائحةٌ من غابات الورود والزهور والأشجار التي بلا عدد تنخلط مع روائح جلود بناتٍ اغتسلن في نهرٍ صافٍ بلون السماء وجلسن بلا زيف على عشب أخضر ندي مترعرع على حوافه منذ آلاف السنين.

أصواتٌ قادمةٌ من كل اتجاه تترافق ولون الفجر وتتواكب مع النسمة المدغدغة، فيها قرقرةُ الماء، وميلةُ الغصن، وحَبْوُ الريح بين طيات الحقل الأخضر المزهر.

أصواتٌ قادمةٌ من كل اتجاه، تحمل لذة البسمة والضحكة والبكاء على صدر كل النسوة اللواتي لم يأكلن ولم يعرقن ولم يشبن ولم يدخل في أضلاعهن ضلع غريب..

أصواتٌ هي عزف ناي وقيثارة وعود وفلوت وكمان وإيقاع على طبلةٍ إفريقيةٍ

أصواتٌ قادمةٌ من كل اتجاه أسبح فيها بلا حدود فأرتفع مجتازاً جدراني، ويرتفع معي سريري الحريري، وينبسط النفق في نفسي فيصبح امتداداً بلا عنادٍ وبلا حدودٍ، إنه امتداد الغابة يتنازع فيه الشروق والغروب نزاع العشق ضمن الخدر اللذيذ..

*                 *                      *

تحركت في فراشي الحريري وعيناي مازالتا مغمضتين، أخذت قلماً من درجي المفتوح دائماً، كان قلماً بلون القطن، يكتب بلون حليبي على صفحة يدي البيضاء، ورحت أكتب بنهم العاشق الثرثار الذي دارت به الدارُ، راغباً بجنةٍ وخائفاً من نارٍ، وأنا سعيد مثل قطة استطاعت نقل أولادها إلى مكان آمن.

بسطت كفي، أمسكت قلمي، عيناي مغمضتان ولون الفجر يخترق الجفون.. بدأت أكتب تاريخ الإنسان:

"أحب آدم حواء وأحبته، استمتعا بتذوق التفاح، سكنا الأرض، أنجبا الأولاد،

"أحب قابيل هابيلاً وعاشر كل منهما أخت الآخر، فأنجب الجميع أولاداً بلون التفاح وطعم العسل، بنوا بيوتاً من شجر منوعٍ ملونٍ أخضر مزروع فماست المنازل مع ضحكة البسمة، وزارتها العصافير فزقزقت وانخلطت في فرح بني آدم،

"كثر بنوا آدم، وكبرت الغابات، واتسعت مساحات الزهور، فأصبح طعم الرجال من طعم ريش النسرِ، وطعم النساء من طعم السائل الناتح تحت تويجات الزهور.

"جرى النهر صافياً، قاعه أحجار ذهب، وحوافه مرجان ملون، تسبح فيه سمكات ملونه تتمسح بجلدها الطري بأقدام العابرين المتسكعين المستمتعين من أبناء آدم.. وقد تخرج تلك السمكات لتخاطب بني آدم وتسائلهم فيما إذا أمكن تبادل الزيارات.. فقد بنت السمكات الملونة مطارح واسعة في متسعات النهر من الحجارة الذهبية ولديها وصفات لسوائل ترياقية

"مشى رجل، مشت امرأة، بقشر أو بدون قشر، مشى غزال، مشى ذئب، مشى أرنب، طار عصفور وصقر، شمشم قط، وتنقل جرذ.. دخل الجميع الغابة العابقة بكل أنواع الروائح والزاهية بكل الألوان، والراقصة على كل إيقاعات الموسيقى،

دخل الجميع الغابة.. نسي الجميع أنهم أفراد ، نسي الرجل والمرأة أنهما مختلفان فامتزجا، نسي الغزال والأرنب والذئب أنهم غزال وأرنب وذئب، نسي العصفور أنه عصفور والصقر أنه صقر، نسي القط صيد الجرذان، ونسي الجرذ أكل المؤونة ونقل الأمراض وتحول جلده إلى تويجات زهر

"احتضنت الغابة بني آدم، أحبتهم حتى النشوة، وأحبوها حتى الغروب

"مازال بنو آدم في نشوة، وهم يسكنون الغابة سعداء قانعين راضين بمتعة المحبة، يكتبون الشعر ويحفظونه ويلقنونه بعضهم بعضاً.. مثلهم مثل طير الحمام يلقم صغيره الوديع المنتظر.."

بسطت كفي، أمسكت قلمي، وعيناي مازالتا مغمضتين ومازال اللون ضائعاً بين فجرٍ وغروب..

تابعت الكتابة عن بني آدم، كتبت كثيراً، بقلمي الأبيض وحبره الحليبي، على كفي الذي مازال ناصعاً، ويتسع للكتابة أبد الدهر،

تابعت الكتابة شغِفاً نشواناً أتغلغل في قلب السعادة التي تتزايد باستمرار وأنا أرى الإنسان بكل حنانٍ موجودٍ وبكل حب موجود، يَحتضِنُ ويُحتضن.. وملامحه تنبض بالمتعة..

تابعت الكتابة..

*                 *                      *

- اكتب

صفعةٌ واحدة مارأيتها ولاعلمت من أية جهة أتت (خبطت) جسدي كله من كل اتجاه

- اكتب، اكتب.. اكتب غير الذين تكتب.. خذ كل الصفحات في الدنيا واكتب، استخدم كل الأقلام،   فكلها   لا يكفي..

فمي منفتح وعيناي جاحظتان كالأحمق، جسدي ينتفض ذعراً، ويدي ترتعش كغزال ينتظر ذئباً، وكأرنب يحمله صقر، وكجرذ يعضه هر..

أمسكت القلم فأضحى أسود بحبر أسود، ورحتُ أكتب على كل شيء وقد أضحى الفجر ظلاماً دامساً.. توقفت، لم أدرِ ماذا أكتب.. فجاءني الأمر الجازم:

- اكتب

" اكتب إن كنت لا تدري عما يجب أن تكتب ، ولم تكن تعلم ماذا جرى .. فاعلم أن إبليس عصى ربه، وأن قابيل قتل هابيل، وأن حروباً بين بني آدم وبني آدم حدثت واستمرت منذ جدك آدم وحتى هذه اللحظة، وستبقى!..

" قتل البشرُ البشرَ ، قتل الأبيضُ الأحمرَ وقتل الأحمرُ الأبيضَ، وقتل الأبيضُ الأسودَ وقتل الأسودُ الأبيضَ، وقتل الأبيضُ الأصفرَ وقتل الأصفرُ الأبيضَ.. قتلوا بعضهم في كل القارات وكل الأزمنة وكتبوا التاريخ تاريخ الحروب والأمجاد، أمجاد القتل..

" اكتب أن البشر كلما هبت نسمة من دعاة الخلق والخير والمكرمات بثوا فيها غازاً ساماً ، اكتب أن البشر رضعوا الدم، وسبوا الطفل والأنثى، وبقروا الأرحام، ومزقوا نتفاً لحم وأنفاس الرجال..

" اكتب أنهم صلبوا المسيح، اكتب أنهم ضربوا محمد بالحجارة، اكتب أنهم قفزوا على بعضهم بعضاً وتصارعوا كالديوك حتى الموت، اكتب أنهم أحرقوا روما والمسجد الأقصى، اكتب أنهم زنوا بأنفسهم، اكتب أنهم صنعوا الأعفان وأكلوها، اكتب أنهم زوّروا الأوراق وحكموا بها، اكتب أنهم صنعوا سلاسل من الظالم والمظلوم، من الناهب والمنهوب، من الآكل والمأكول، من القاتل والمقتول، من العابد والمعبود..

"اكتب أنهم جاؤوا من أقاصي الأرض في سبيل القهر والمحق واستلاب قلوب الآخرين وشكلوا عصابات، وسرقوا الأرض والعرض والمقدسات

فثار أصحاب الأرض والعرض والمقدسات.. وماتوا ومازالوا يموتون.. وهم ثائرون في موتهم

" اكتب على كل الصفحات واجعلها سوداء بلون الفحم، فلا نهاية للفحم في الأرض وفي الهواء.. ولا نهاية للفحم في الشجر أو في بني آدم..

لو أشعلت هذا العالم كله بشرارة حمراء، لعاد كله إلى أصله.. لعاد أسود بلا نهاية كما هو أساسه.. فحم، فحم

يطغى، بل يبتلع كل شيء.. فحم، فحم، ولاشيء غير الفحم..".

*                 *                      *

كتبت ، ومازلت أكتب.. لم تنته الكتابة، ولا يبدو أنها ستنتهي..

بنو آدم أبناء الخطيئة .. صنّاع الخطيئة، قوّادو الخطيئة..

اسودت الصفحات الكثيرة.. لكن صفحةً صغيرة مازالت عليها آثار الحليب الأبيض.. كفي.. كفي .. الذي مازال يتسع لكلمات بلا نهاية عن الغابة والزهور والعطر والموسيقى والنهر والسمكات..

والحب الداخل مع كل الناس والساكن في جوارحهم..

مازال كفي معي.. خفت عليه أن يقطعوه، وضعته تحت إبطي.. وضعته تحت جلدي، وضعته بين عظامي، وضعته في حجرة قلبي..

استرقت بعض الأوقات وكتبت وجلاً على جنب عن الأنبياء، عن ذوي الفكر والعلم، والفلسفة والشعر، عن ذوي الأدب والفن، وقلت:

ليس كل العالم فحم، مازال هناك غصن أخضر يحمل زهرة، ومازال جدول نظيف صاف يجري في عروق بعض الإنسان، يصل السماء بالأرض، والماضي بالحاضر..

مازال ذلك الجدول يجري متخبطاً في ثورة الظلم والظلام..

إنه مازال يجري يسقي بعض الجذور، التي قد تنبت يوماً فجراً فيه نور..

ولعلني أستمتع بقراءة ما كتب على كفي، وأضيف عليه الأخبار التي نادراً ما يذيعونها وإن أذاعوها فهي مهملة في آخر النشرات..

لعلني أضيف أخبار الإنجازات العلمية في مجالات الطبِ والأدب .. والاكتشافات..

فقد يداوي الإنسان بعض القليل من جراحه الكثيرة التي صنعها هو بيده بنفسه.

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm