|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
" العدل كلمة لا يعرف معظم
الناس إلا لفظها "
|
|
العـــــدل |
نيقوسيا 6/7/1997
أنتم ربما تعرفون هذه القصة!.
ومع ذلك فهناك حركة داخلية تدفعني لسردها ثانيةً..
سمعتها منذ سنوات… ربما من امرأة عجوز.. أو قرأتها في جريدة .. أو تحدثت بشأنها إذاعة في زاوية الغرائب والطرائف..
لا بد أن أرويها.. ربما لا أعرف المكان والزمان!.. أنا لا أعرف الأشخاص أو الأسماء، ولا أعرف البيئة ولا أعرف المجتمع الذي حدثت فيه..
لا أعرف التفاصيل، ربما أضفي على هذه التفاصيل من عندي…فلعلني أنقل حادثة ضمن أحاسيس إنسانية تصورت أنها يمكن أن تكون قد مرّت.
* * *
ليلٌ صيفي خانق مثل شواظ جهنم.. والرجل يستلقي في الصالون والنوافذ مشرعة، يبحث في جيبه عن علبة سجائر فلا يجدها، ينتقل بخفة إلى غرفة النوم فيأخذ علبة ويلمح زوجته تتقلب وكأنها كابوس ويرى ضوء الشارع يلمع على عنقها الطويل وعلى عقد الذهب الذي لا يفارقه.. يأخذ الرجل علبة السجائر ويعود إلى الصالون، يشعل لفافة ثم يستنشق الدخان، مقحماً بعضه في بلعةٍ إلى المعدة.. وهذه طريقة يفعلها عندما يكون في حالة توتر وقلق..
يتحرك نحو الشرفة، يصطدم بشيء ما، يجلس على كرسي محاولاً تحسس نسمة تعبر غصون شجرة قريبة..
زوجته ترقد في الداخل بعنق أبيض متطاول وعقد باهظ الثمن لديها مثله عشرات.. لديها بناء وأرض ومال -اشترته هو نفسه بمالها- قالت إنها أحبته، لكنها أحبت شيئاً واحداً فيه وأذلت الباقي.. جعلته تَبَعاً لها..
- اسكت أنت .. أحضر الثلج والوسكي.. الضيوف عزيزون .. لاتنس (المازة)..
يكتب الرجل بإصبعه في الهواء: المازة!.. ويتمتم: لاتنس المازة!..
ثم يلتفت إلى حجرة النوم.. لم تكن في البيت قبل ساعة!.. قالت إنها كانت عند صديقة!..
يهرع الرجل إلى الهاتف، يطلب رقماً..
- ألو!.. مرت زوجتي إلى عندك؟..
- لم تمر؟!.. أبداً.. طيب.. شكراً..
- كانت دائماً معه!.. أو مع غيره!..
إنها غنية تشتري الرجال .. وأنا واحد منهم!..
لكنني الوحيد الذي ينظر الآخرون إليه بعين الاحتقار..
- عنقها طويل أبيض..
يتعالى نبضه حتى عنان السماء.. تنتصب أذناه، تتجمد عيناه.. يُلْهِثُ النفسَ شرساً.. يَجْمَدُ كتلةً واحدة إلا يدين تتضخمان تتثاقلان تضغطان على العنق الأبيض الجميل إلى أن تجمد أنفاسُ الجسد وتختفي الاختلاجات..
يجلس قليلاً على كرسي في الشرفة، تمر نسمة، يندم، يبكي.. يتحرك نحو الهاتف:
- أستاذ .. يا أستاذ.. ساعة متأخرة من الليل، ساعة ليست متأخرة!.. أرجوك أن تأتي.. أنا لا أستطيع الذهاب إليك.. هناك مصيبة.. أرجوك أن تأتي فوراً.. زوجتي! زوجتي هناك أرجو أن تأتي فوراً.. فأنا غارق في نفسي.. أغتسل بدمي.. وألوك في أحشائي.. ومطرقة حديدية تطرق في جذور دماغي.. يترك سماعة الهاتف مفتوحة.. ويعود متأرجحاً إلى الغرفة، ينظر في زوجته ولسانها بارز.. وعيونها مشدوهة.. وذباب وبرغش صيفي يعمل هالة حول وجهها..
يهرع ليفتح الباب.. غير أن الأستاذ لم يحضر بعد.. لحظات تعض عظمه، فيعود مسرعاً إلى زوجته علها لم تمت بعد!..
لكنها ماتت والدلائل واضحة صريحة.. وهو سيجازى بالإعدام.. هل يهرب؟.. ولكن إلى أين؟ ولمن يترك الثروة؟.. الثروة ليست له على كل حال!.. ماذا سيفعل؟.. عليه أن ينتظر الأستاذ وبعدها يقرر!..
جاء الأستاذ .. جلس هادئاً
- ماذا هناك؟..
- لقد خنقت زوجتي!..
* * *
يقف الرجل المتهم خلف القضبان في قاعة المحكمة طويل الذقن مشعث الشعر، يلوي شفتيه ويرمش باستمرار في عينيه ويخرج الزبد من فمه.. تتحرك يده اليسرى باتجاه شعره تلعب، تقطع شعرة، يتملَّى بها ويتحدث معها كلاماً غير مفهوم..
يقف الأستاذ المحامي:
- وهكذا ياسيدي القاضي ترون أنه ثابت من خلال التقارير الطبية، والبيانات، ووقائع القضية أن هذا الرجل قد قتل زوجته وهو فاقد لعقله وخارج إرادته ووعيه مما يجعله خارج المسؤولية القانونية وهو بالتالي يستحق الشفقة والرعاية..
وصدر الحكم بعدم المسؤولية.. ونجحت الخطة فهو سيُحَوَّل إلى مشفى الأمراض العقلية.. وتمر بضع سنوات سيجد منفذاً خلالها للهروب.. وبدء حياةٍ بعيدة جديدة.. ولم تظهر على وجهه الابتسامة التي عبرت داخله.. والتي مرت على وجه المحامي الحاذق..
* * *
كان فرحاً في داخله لتجاوز المحنة القاتلة.. وهو بالتالي سيتجاوز المحنة الأقل شأناً.. ولكن شيئاً كان يتحرك في داخله..
لقد ندم.. كان من الممكن أن يطلقها.. أو يهجرها، أو يبتعد.. لا، إن كرامته الصغيرة الباقية.. قد محقتها.. فهي قد جرّت ذا الذقن من ذقنه إلى غرفة نومها.. وهي قد سحبت طويل القامة من حزامه أيضاً.. تركت لزوجها الباب مفتوحاً، فهي تستمتع في رؤية زوجها يتخبط في عذابه وهي تتخّبط في متعتها.
ندم.. لكنه في نفس الوقت رأى أن الله قد خلّصه من الإعدام لأنها امرأة تستحق القتل!!..
جلس مستنداً إلى شجرة في مستشفى الأمراض العقلية.. كان بحاجة لأن يقول شيئاً..
جاءه رجل يهذي.. شده من ثيابه.. ثم فارقه إلى غيره..
مَرَّ الممرض بلباسه الأبيض، فبادر إلى اقتلاع شعرة من رأسه أخذ يحدق فيها ويحدثها ويبكي.. أسف الممرض لحاله وتابع جولته..
قال الرجل في نفسه:
- قد أبقى سنوات هنا قبل أن تأتيني فرصة الهرب.. لكنني يجب أن أحدث أحداً.. أحدث أحداً بعقل قبل أن يذهب العقل فعلاً..
كان النهار طويلاً والظل في الحديقة مديداً، فتجمع حوله بعض النزلاء من فاقدي العقول.. (طبطبوا) عليه وتلمسوا شعرات رأسه، وقال أحدهم..
- لا حول ولا قوة إلا بالله.!.. من أجل زوجتك تنتف شعرك.. من الذي قتل زوجتك؟..
وبادر الرجل إلى الإجابة :
- أنا الذي قتلتها ، لقد أذلتني..
- القاضي يعرف بأنك قتلتها لأنك مجنون!.. هل أنت مجنونٌ مثلنا؟. نحن مجانين مثل كل الناس! لماذا لا يحضرون كل الناس إلى هنا؟..
- أنا قتلتها لأنها أذلتني..
- أنا لا أعرف - لم أدرس في الجامعة أن القتل مسموح بسبب الإذلال! أنا درست في الجامعة أن القتل مسموح بسبب كثرة السكاكين في الشوارع وبسبب ثياب الحريم الداخلية في زبالة البلدية!..
- يا مجنون!.. لماذا لا تفهم؟.. قتلتها لأنها أذلتني..
- الذلُّ .. من منا مذلول!.. أنت مذلول؟.. لا أحد مذلول!.. لا يوجد في هذه الدنيا ذل يوجد قتل فقط..
هرج الجمع، وذهبوا عن الرجل، وهم يتناقشون بطريقة لايفهم منها شيئاً..
* * *
في الصباح لم يخرج النزلاء كعادتهم من أجل الطعام.. كما أن عنبر النوم لم تَسُدْهُ جلبة كالعادة..
كان الممرضان يتمشيان باتجاه العنبر عندما لحظا هدوءاً مطلقاً.. أطلا من النافذة.. فوجدا النزلاء يتحلقون حلقة صامتة جالسة، ويحدقون بالرجل وقد علقوه وشنقوه حتى الموت، وقد طالت عنقه وجحظت عيناه وخرج لسانه من فمه..
دخل الممرضان:
- ما هذا ؟..
ظل الجمع في هدوء..
- ما هذا؟..
أجاب النزيل الجامعي:
- لقد حاكمناه.. وقررنا أنه عاقل، فهو لم يقتل زوجته لأنه مجنون بل لأنه مذلول..
- نعم؟! .
قال الممرض لزميله؟..
هل تُرى حكم المجانين أحياناً، أكثر عدلاً من حكم العقلاء؟!..
![]()
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|