|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
" يثمر الجسد الأخرس عندما
يترعرع في داخله إنسان."
|
|
العـانــس |
نيقوسيا 18/5/1997
بقينا وحيدين على طاولة طعام الغداء بعد أن انتقل أعضاء الرحلة إلى أمكنة أخرى لشؤون لهو منوع..
قالت وبيننا بضعة أمتار:
" أنت لا تتحدث كثيراً .. ولكنك تكتب كثيراً.. أما الذين يقرؤون كتاباتك فهم قلة وأنا واحدة منهم.. لو قلتُ إنني شغوفة بقصصك لكذبت عليك وبدا الرياء على تقاطيع وجهي.. إنها تسلية على أية حال.. فكتبك أرخص من غيرها.. بل ربما استعرتها أو أخذتها هدية.. لكنني لم أفهمك في كثير من الأحيان.. أقول لك الحق، لم أفهم ليس كتبك وحسب، بل الحياة نفسها.. ربما أحببت سطورك لأنني لا أفهمها.. مثلما لا أفهم الحياة نفسها.. أحب أن أثرثر.. قل لي، هل عندك رغبة أو استعداد لسماع ثرثرتي الفارغة؟.."
- ليس عندي فرق.. فأنا لم أعد أميز الرجال من النساء إلا بثرثرتهن.. لقد اختلطت الأشكال والتقاطيع والأعمال والوظائف والمسؤوليات، ولم تبق إلا الثرثرة.. والتي هي أيضاً في طريقها إلى الضياع.. ليس عندي فرق، قولي ما تشائين.. فليس عندي فرق في أن أفهم أو لا أفهم، كما أنه ليس عندك فرق أيضاً فكله ثرثرة في الهواء..
اقتربتْ أكثر وتابعت:
" أنا امرأة، ولا أظن أن عندك شك في ذلك.. أثرثر كما تقول.. وتتساقط دموعي لو أردت شيئاً.. وأكشف عن شيء ما من لحمي لو عرقل لي عملي الموظف أو المحاسب أو البائع .. إنني لا أكشف الكثير.. فقد وجدت أن خصلةَ شعرٍ، أو شحمةَ أذنٍ أو انحسار شال عن طرف عنق ، أو نقص زر في القميص، أو لفة ساق، أو حمرة خد ، أو رمشة جفن، تفعلُ أكثرَ من كتاباتك كلها..
تجد في كلامي بعض الجرأة!.. نعم هو كذلك، رغم يقيني أنني لست جميلة إلى حدود الحوريات، حتى ولا إلى حدود الغانيات أو العرائس، أو حتى ولا إلى حدود بنات جيل المقاصف الخيرية..
ومع ذلك.. أقول، وأنت رجل رصين مفكر كاتب أحجمتَ من زمن عن مطاردة النساء، مع ذلك أقول، إن فتقاً عرضياً بين كتفي وإبطي لم يَفُتْكَ النظر إليه عدة مرات حتى الآن.. وآثار علبة الماكياج، ما بين خطوطها السوداء وبقعها الحمراء أثارت البؤبؤَ في عينيك..
" حاشاك أيها الرجل العميق البسيط، ولكن من كل هذا أريد، وعندي رغبة في أن أتحدث إليك وأخترق الحواجز.. أعرفك قليلاً.. وحتى الحدود التي أراها، بالنسبة لي، تكفي لأن أبكي أمامك لو أحسست بالرغبة، أو أضحك على سجيتي.. أو أتحدث في أي أمر بلا تحفظ.. ربما أحدثك عن أسراري.. عن أهلي، عن مجتمعي، عن آفاق تفكيري.. عما أريد ولا أريد، وعما أحس أو لا أحس.. حتى لو كانت إرادتي وإحساسي يخرجان عن حدود التقاليد.. فلا تُفاجأ.. أنا أعتبر نفسي على صواب.. وكل مخلوق يرى نفسه على صواب كما قلتَ في إحدى كتاباتك..
اقتربتْ، جلست على كرسي بجانبي وتابعت، ودون أن تنتظر مني كلمة:
" أنا أنثى.. أيكفي ذلك، أم يجب أن أبين لماذا أنا أنثى؟ لو شئتَ لفعلتُ.. ولكن خيالك فيما أعتقد يكفي.. أيضاً أنا أنثى عادية في كل المقاييس، مثلك رجل عادي، حتى لو حسبت نفسك كاتباً .. أو شيئاً ما.. رغم أنك بهذه المواصفات ودون أن تكون لديك السطوة أو المال.. فأنت لا تمثل الكثير… ربما يروون كتاباتك بعد أن تموت.. وربما يقرؤون شعرك في المهرجانات.. أما الآن فليس هناك احتمال ولا حتى تحت كلمة ربما..
اسمع عزيزي.. كما قلت لك أنا أثرثر.. ولم تبدأ ثرثرتي بعد.. نصف ساعة وأنا أركِّب الكلمات فوق الكلمات ولم تفهم مني شيئاً، ولم أفهم أنا من نفسي شيئاً..
لاحظتُ الكرسيَ يقترب أكثر بينما كانت تنقر بيدها على الطاولة التي مازالت تحمل آثار الطعام المبعثر الذي تركه زملاء الرحلة .. ثم قالت بنبرة جديدة:
" لو أحببتَ يوماً ما أن تكتب… اكتب ، لا تخف، ولو أحببتَ أن أعطيك تصريحاً بذلك لفعلتُ.. اكتب .. أنني عانس قاربت الأربعين.. ولا تخش أن ألومك في الحقيقة.. وأنت لست أفضل مني حالاً.. اكتب حتى لو تحول لون حبر قلمك من لونه الأزرق إلى لون أحمر دموي صارخ يقول إن أخطاء هذه الدنيا أكبر بكثير من صوابها..
يوم أن كنت صبية صادقت صبياً، قرأنا معاً (ماجدولين) و (تحت ظلال الزيزفون) و (شجرة اللبلاب) ونسينا ما درسناه في المدرسة عن قصص ابن المقفع على ألسنة الحيوانات.. وكتبنا على الرمال اسمينا.. وكتبناها على صدرينا.. فزال الاسمان في الحالين..
وأعطى الصبي، عندما صار شابَّاً ، اسمَهُ لأبناء بطن جارتنا ابنة طاووس البلدة،
وبقيت أذكر، ولا أرى، اسم الصبي مندثراً في حبات الرمل وممسوحاً عن صدري بصابون من غير رغوة..
مازلت أثرثر، وربما لا تتابع ثرثرتي ولكنني أنا أستمتع بها.. وأنت ليس عندك شيء تفعله..
ومرت الأيام وأنا مقفلة الخواتم.. فمي مقفل لا يصلح إلا لابتلاع اللقمة.. وعيناي مقفلتان لا تصلحان إلا لرؤية القطط الصغيرة و جراء الجيران والبراعم قبل التفتح.. و(لنزيز) الدمع عند تقطيع البصل برائحته الطيارة المخرشة..
كلام لا يهمك كثيراً.. غير أنك دائماً تنتظر الآخرين حتى يعودوا.. فأنا أثرثر.. لو أردت ألا تسمعني فيمكنك أن تبدل مكانك.. وأنا سأفترض أنك مازلت هنا وسأتابع ثرثرتي.. أيها الرجل الكاتب العانس مثلي.. لقد قررت أن أتكلم جادة.. هل تسمعني؟!.."
بقيتُ صامتاً مشدوهاً وتساءلت في نفسي فيما إذا كان يجب أن أترك ساحة هذه المرأة.. أم أبقى.. ووجدت نفسي أتعلق بثرثرتها.. نظرت في عينيها فأحست بي .. كرجل.. أو كإنسان، أو كأي شيء تراه هي حتى لو كان قطيطة أو جرواً أو برعماً كما قالت..
تابعتْ محدثتي ، وكأنها في هذه المرة تحدث نفسها، فخرجت من تحفظاتها تماماً وكأنها وحيدة:
".. لقد انغلقت كل أبواب نفسي.. حاولت إيجاد رجل يقاسمني اللقمة والجسد.. حاولت أن أتنفس فكان الهواء ملوثاً.. فضاع حبي للحياة كما يراها الكبار وتحول حبي إلى كل شيء لم يفطم بعد.. الحمل الصغير يخرج ليضرب فمه في ضرع أمه، القطيطات الخمسة تندفع عمياء إلى ممصّات في بطن أمهم يستقون منها الحليب، وكذلك تفعل الجراء، وكذلك تفعل الزنبقة من بصلتها، وكذلك يفعل الجنين في الرحم، ويتابع في خروجه مغمض العين باحثاُ عن ثدي أمه وسلاحه البكاء.. هؤلاء الضعاف الرضع أحببتهم.. تمنيتهم.. تمنيت أن ينشأ في حشاي روح.. حتى لو كانت روحاً حراماً.. لكنني لم أفعل.. ليس خوفــــاً ولا ضعفاً ولكن رحمة بتلك الروح نفسها..فأنا لم آخذ شيئاً.. جئت، نَمَوْت، كبرت، عملتُ، درست ، نلت شهادة.. لدي بعض المال.. لكن كل ذلك لم يعن لي شيئاً..
هي، هي.. هل أنت نائـم؟.. لا يهم، تابــع نومك فأنـا لا يهمني إن سمعت أم لم تسمع.. على أية حال فلو لم تسمع فأنا أقول لك أن كل الحياة لم تعن لي شيئاً.. وغداً -قلت في نفسي- غداً ستحملني البلدية.. مثل كومة الزبالة.. لتضعني في حفرة وتكتب على حجر مائل أن المرحومة فلانة ترقد هنا..وأنا مثل جبر الذي مات وطلب من الآخرين عندما يدفنونه أن يكتبوا على شاهدته :" هذا جبر، الذي انتقل مباشرة من بطن أمه إلى القبر"..
قلت في نفسي هذا وعلمت أنني كنت قبل أن أكون وبعد أن كنت، نسياً منسياً.. أكتبْ إن شئتَ، ولن تكون أحمقاً إذا كتبت.. أن كل شيء في جسمي ونفسي مات قبل أن يدفنوني، جف حلقي.. جف دماغي.. جف عرقي.. جف نبضي، جف الكبد.. جف الثدي.. جف الدم.. جفت مخارجي ومداخلي كلها حتى اليباس.. ومن تحت الرماد تألقت جمرة..
كانت جمرة بحمرة دم القلب وابيضاض نار الجحيم..
إن لم تكن أيها الكاتب الأحمق قد بدأت كتابة السطور، فاكتب أنني أنثى.. هكذا.. كتبوا في الهوية، وكذلك كان اسمي.. أما أنا فلست أدري إذا ضِعْتُ في سحنتي وفي لباسي وفي صوتي وفي أصحابي.. لو افترضت أن لدي أصحاباً.. الجمرة التي ألهبتني قدّتني من الصخر وأذابتني مثل حمم البركان شكلاً ومثل عسل النحل طعماً ومثل رقة قلوب الأجنة مضموناً وحنيناً وحباً…
قررت أن أعلق على باب داري يافطةً تعلن عن محبتي لكل الأجنة والرضع، وأن بيتي هو بيت القلوب الصغيرة أسمعها وأطرب لها وأهواها وأعيش لها وبها.. فأسبق كل من حبلن وكل من وضعن وكل من تباهين في وليد..
فأنا قد حبلت بكل الأرواح الجنينية من غير سواعد الرجال، وأنا قد وضعت كل براءة الدنيا من غير تمزق في الحوض، أنا قد أصبحت أماً في النور لكل روحٍ تنزرع في الظلام..
منعوا عني في البداية حلمي.. خوفاً، خوفاً إما من هدر مالٍ، أو من عقدة عانسٍ.. ولكنني عندما بيّنت أن لا مالَ مطلوب.. وأن الحب الذي بين أضلاعي يريد النماء ليلف العالم.. جاؤوا إليَّ ثم تنعموا بزياراتٍ وفسحٍ بدون رُضّعٍ يبكون..
ونعمتُ، وسعدتُ، وطرتُ فوق السحاب أنا، وأنا أجد نفسي.. أماً لكل رضيع تنبته الأرحام..
أيها الكاتب.. أنا لا أخشىَ أن تكتب كل الذي قلت، بل كل الذي أريد أن أقوله قبل أن يأتي الآخرون.."
* * *
حدقتُ في عينيها بعمق وأنا ألحظ جمعَ الراحلين يقترب من بعيد.. تابعت المرأة الثرثارة قائلة:
" اكتب، لا تنس أن تكتب.. أن كل شيء في جسمي خرج من قبره فتياً دفاقاً.. لم يعد حلقي جافاً ولا عرقي ولا نبضي ولا دمي…
واعلم أن كل هذه الأجنة التي صارت أرواحاً نابضة قد فجرت في ثدييي نهراً من حليب أحبوه وامتصوه حتى الخدر.. فأصبحوا أبنائي.. وأصبحوا أخوة.. وأصبحت أماً أكبر من كل الأمهات.. اللواتي صنعن أجنتهن في عباب ليالي الشتاء الدامسة…
![]()
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|