adab-insan         أدب الإنسان 

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

 

اغلقْ ياسمسم     

                                                                                                       نيقوسيا 19/11/2003

                                                                                                            (  لم ينفتح باب في يوم إلا وأُغلق في آخر )

  عندما كنت في الربيع قالوا هذا هو الغد الطالع والمستقبل الرائع ودواء الأرض الناجع ..

بكيت حتى أطعموني وفرحوا ، مسحوا بقاياي وفرحوا ، اشتروا لي أفضل الثياب والعصائر والأدوية وفرحوا وأشادوا بصفاتي وبأن السعادة هي في الزمن الآتي ..

 

وفي الربيع الرابع عشر صرت أكتب على السبورة بالطبشورة ، ثم أفتح عن صدري وأعري ساعديَ وساقيَ وأركض خلف الكرة فأسبق ويصفق ناسي ، ويكتب اسمي على مجلة الحائط بخط أحمر أنني بطل في الجري وفي الأنساق ، وأنني صغير في سني وكبير للمستقبل وأنني بطل ، وستفر مني الأعداء مذعورة ، وأن الثروة ستملأ كأسي ، وأن اسمي سيوجد على الصحائف والأوراق ، وأن كلماتي تصل إلى عمق الأعماق ..

وفي الربيع الرابع والعشرين ، بدأت أملأ كرشي حتى التخمة ، فأنا قوي وبيتي بيت النعمة ، رزق يأتي ، ثم يأتي رزق آخر .. ذهب بالقنطار، بالوزن وبالرقم وبالليرة والدينار .. فأنا بطل لأنني جميل وابن جميل  وسمين وابن سمين ، وقوي ومتين ، وأسكن في الدنيا في عليَن ، وأذكر دوماً أن يدي طولىَ أطول من بُعدِ الغيمات ، وأسرع من غضب المجنون ..

على خدي شامة ، كتبت فيها الشعراء وغنت بلغة الضاد ثم بلغة السكسون والغال وأهل الصين .. ثم ذكرت أنني المنتصر في المعارك حتى يوم الدين.

وبذا ظفرت بثروة قارون ، وفتيات الجيشا ، وعلمت أن صوتي يصل إلى ماأبعد من قانون ..

***

قلت افتح يا سمسم ..

يصدح كل الحرس برأس محنيّ وجذع مثنيّ وياق مكويّ :

افتح يا سمسم ..

تورق ثم تزهر الشجرة ، وترفرف الطيور، وتبوق الأبواق فيفتح سمسم .. وأنا أدخل على صهوة جوادي ضمن الغار الصخري فأشهد صور التاريخ ولمعة ماس الجدران حيث تقف العاريات الجميلات في الزوايا وتتكوم الثروات بلا تعداد .. الغار كبير مثل الأحلام .. كَوِمْ ثروتك هنا .. ضعها ، فهي هنا مرصودة لك كالأصنام .. عندما وحيثما تبتغي فهي هنالك .. ضعها وعندما تأتي يفتح لك سمسم .. مهما كان الظرف . ومهما عادتك الأيام .. وعندما ترغب أكتب قصيدة شعر على صخر المعبد هذا لا تمحوها الأيام ..

***

كلما زادت على خدي شامة ، وهي في كل عام تزيد ، فتح لي سمسم باب الجنة ، فكتبت قصيدة شعر على صخر الجدران ، ومارست الحب مع الفتيات ، ووضعت سواري الذهبي ، وثيابي وتواقيعي على كومة بُردى .. ونظرت ملياً وأنا أسعد من محزون وأجمل من ميمون، وأعقل من مجنون ، وخرجت من الكهف مثل علي بابا ومعي فرسي ، وفي يدي سيفي .. وأنا أكثرشوقاً وفمي أكبر فتحة وعلى خدي وفي صدري شامات أخرى ..

***

أنا لست أشذ عن تاريخ الإنسان .. ولم يكن بيدي أن أخرج عن قانون الإنسان .. آخذ وآخذ وآخذ حتى التخمة ، وأغني أنني الخير الذي يورق من حجر الصَوان .. أركب فرسي فوق الشوك .. وتحت ركابي ، بين الشوك .. يركض كل الصبية وضفائرهم يعشش فيها الصيبان .. وأنا أجري وأخب ، وأحمل حملي ، وأذهب فرحاً إلى سمسم يفتح لي ، فألقي أحمالي وأكوم آمالي ، وأرى فتيات الجيشا يرسلن سهاماً ثم يلعبن بأجزائي فأشعر أنني فوق السحاب إلى أن تتقطع أوصالي ..

***

أنا الكمال بصوتي والسطوة في سوطي ، والإغراء في كفي وسمسم يحرس الخزائن والجدران .. وفي كل الأيام يفتح سمسم ويغلق سمسم ، وماذا أبغي في الدنيا غير أن يفتح سمسم أو يغلق ، فهو سرّي الذي يكمن في سري ! .

صرت أكتب الشعر الذي يسمعه كل الناس حتى الطرشان . صرت أكتب الحكايات فيقرؤها الجهَال والعميان ..

والناس قد تعرف أو لا تعرف أن عندي من الخزائن ما يكفي لمن لا يستكفي ، وأن سمسم نفسه صار ذليلاً عندي عندما أركب فرسي وأجول التجوال وساقي موشومة برتق أحمر يتحدث عن كوني أحلى التيجان ..

***

يوماً ما ، مثل كل أصحاب الأجسام ، شكوت صداعا ، فهرعت إلى سمسم وفتحت الباب وابتلعت حبوباً وصحوت على صوت سمسم يذكرني أن أذكر أن الغار خارج قانون الآلام .

يوماً ما شكوت لهيباً في الأحشاء فهرعت إلى سمسم ، فأعطاني لؤلؤة أبلعها وأصير صحيحاً .. فشكرت له صنعاً ً، فهرعت ثانية إلى سمسم ، وقبل أن أنطق ببنت شفة ، سألني ماذا أحضرت اليوم فدعوته أن يطمئن فحملي مليئ بالكنوز .. وأشار إلى أجمل بنت كي تتفحصني ، فسررت لصنعه وفردت ثنايا جلدي وتركت لفتاة الجيشا مسامي تتعانق وإياها وتكب عليها زيوتاً وكريمات وتدلك أطرافي كي لاتبهت ولا تخبو فيها الألوان ..

خرجت سعيداً ، وقلت لسمسم اكتب ميزاني فأنا الرابح دوماً .. مرت أشهر ، ومرت سنوات .. ثم نظرت ، وأنا في الغار ، إلى الأنحاء ، عليَ أجد مرآة غير الصخر فلم ألق جواباً غير ماقالته إحدى الفتيات: هنا المرآة لا استعمال لها .. نحن نقول لك ما تقول المرآة .. أنت الآن أشيب وعليك أن تشتري السائل والفرشاة ..

***

أنا الآن بظهر أحدب ، وبساق عرجاء ، وقد كتب الأطباء كل الأدوية ، واهترأت معدتي من مزج الأدواء .. وصرت أجلس على فرشي أكثر من يوم في اليوم ، وأكتب أكثر من سطر في السطر وأكثر من قول مأثور في قصيدة شعر .. .. أنا بثرواتي سأشتري الأرض وماتحت الأرض ومافوق الأرض وما يحلق في الأجواء .. سأجعل سمسم يفتح لي باب الجنة ، وسأجعل من فتيات الجيشا ، كل الفتيات، يدغدغن لذاذاتي، ويوقظن رقاد خلاياي .

وكي أذهب لسمسم يجب أن أمتطي فرسي ، ولكي أمتطي فرسي يجب أن أمسك باللجام وأن أقفز فوق الصهوة ، ولأفعل ذلك أحتاج إلى كرسي ..

ومن أجل أن أشرع بالبحث عن سمسم ركبت فرسي العجوز، فكانت مثلي تشكو من أوجاع الظهر ومن رق العظام ومن سواد النظر .. وقد أحسست وأنا أسعى إلى سمسم أن الفرس صارت أتاناً أصابها الجرب .. ركبت أ تاني وسعيت ، متمسكاً بشعر الظهر، وفي الطريق بكيت ..

وعلى البعد رأيت سمسم مازال شباباً .. يصول ويجول ، وهو بزيه الباهر عند الباب  .. اقتربت منه ، وكان مازال بيني وبينه أكمة ، ناديت .. فلم يسمعني ..

طلبت من الأتان أن تنهق .. ففعلت .. لكنها كانت جرباء حدباء منهكة إلى حد الإعياء .. ناديت أنا ومازالت الأتان تنهق .. وأنا وأتاني مازلنا نزحف .. ولما صرنا من سمسم على بعد خطوة قلت لسمسم : ألا تسمع  ؟..  التفت سمسم بطرف العين وقال ، بلى أنا سمعت وأسمع .. ولكن مالفرق ؟.. ماذا تريد ؟؟..

 أجبت: أريد كنوزي !..

قال سمسم : ادفع لي ثمن الكنوز لتأخذها !..

قلتُ : ولكنها كنوزي ..

قال : ولكن القانون تغير .. عليك أن تشتري الكنوز التي لك ..
       قلت له : هذا هراء .. سأدخل وآخذ مالي .. وسأشتري سمسم آخر من جديد ..

 قال سمسم وهو يضحك :

لقد غيرنا المفتاح .. لقد غيرنا السر، أنا سمسم آخر غير الذي تعرف ..

أردت أن أزحف نحو الغار .. لكنني وجدت أنني أعجز من أن أتحرك.

ولم يبقى في جسدي ذاك العنفوان الذي مضى ، وكانت أتاني تخر ككومة أسمال عفنة ، ووجدت أن الباقي في جسدي عينين .. عينين وحسب تنظران فتريان سمسم الجديد يفتح باب الغار لفارس جديد يحمل الأحمال ، قوي الأوصال ، مبتسماً مندفعاً مدفوعاً ..

 قلت لسمسم : افعل يا سمسم آخر ماتفعل ..

أجابني سمسم هازئاً : وماذا أفعل ؟!..

أجبته : أغلق يا سمسم .. أغلق لي جفنيَ .. أغلقهما ، فأنا ماعدت قادراً على فعل الأشياء ..

أجابني فرحاً :

سمعاً وطاعة ! سمعاً وطاعة يا سيدي لآخر ماتلفظه مخارج الأحياء ...

 *******

adab-insan         أدب الإنسان

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل