|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
آخر الرؤى
نيقوسيا 28/11/2003
( لو بقي لي قلب لسافر إلى بلاد الواق الواق )
يقولون إن بلاد الواق الواق ربما كانت مدغشقر ، أو ربما كانت بلاداً من رسم الخيال أبعد من كل الآفاق ..
أو أن الواق الواق هي الغربة أتت من صوت مجهول خرج من بطن بطة أو دجاجة أو ضفدع عندما أضاعت حبات القمح فراحت تندب حظها العاثر، وتردد اللفظ الوحيد الذي تعرفه: واق، واق ..
أو أن الواق الواق هي لفظة جهل بالمجهول لبلد لا يقع على خط العرض ولا خط الطول، أو لفظة جهل بالمجهول لشيء يقع خارج حدود العقل أو المعقول ..
***
عدت من زيارة قمت بها لبعض الأقارب وقد أفاضوا في كرمهم وبالغوا .. غير أن شهيتي للطعام كانت قاصرة ، فقد أفرزت معدتي حمضاً قلب كل وجودي إلى غثيان . اعتذرت منهم بالغ العذر، وطلبت إيصالي إلى منزلي في التلة البعيدة .. وقد كنت أتناول طيلة الطريق حبات مضادة للأحماض البشرية .. لعل معدتي تهدأ ثورتها ويهدأ شيئ من فيض الغثيان .. فأنا في النهاية لست سوى كيس من جلد فيه عظام ولحم ودم وعصب مكسو بثياب مكتوب على جبهته أنه إنسان ..
قلت لمن حولي ( دثروني دثروني ) وقرأت بضع آيات من القرآن .. الرجفة ترقص أوصالي فقد ارتجفت، يريد أن يهرب من صدري، الإيمان .. أو الجزء الباقي من إيمان ..
قالت أمي العجوز الهرمة : ماذا دهاك .. وأين شبابك .. وتاريخك الساطع ؟.. عافاك يابنيّ عافاك !.. وقال أخي المهزوم : ستنتصر على الهزيمة وعلى كل من عاداك !.. وقالت أختي المطلقة الطليقة : عزم ربك أوفى، وهو الذي يفي بالوعد والوعيد، لا يحمل مافي هذا الزمن من خلاَن .. وقال صديقي المطرود من الجنة : أنت الآن في أمن وأمان وقضية مرض عابر ستعبر بسويعات ، وسأراك سعيداً بعد قليل من آت ...
قلت لهم : أنا لست مريضاً في جسدي ، والمعدة عندي تطحن في الصوان .. لكنني فقدت صواباً .. وما ظنت معدتي أنني مازلت حييّاً .. بل ظنت أن جسدي يفني، وليس الجسد مهماً بعد أن يموت الإنسان في الإنسان !..
***
تركوني في ليلي أرقد، ثم أقوم لأهمس، ثم لأحدث نفسي، ثم لأكتب .. ثم لأكتب في أمر مرعب ..
أحسست بشوك في قدمي .. لا بل في قلبي ..
أحسست بشوك في الصدر وفي الدرب ..
أحسست بأني عند الرب وعند الناس وعند الأرض وعند الزرع وعند الوجود والعدم وعند الماضي والحاضر .. لست بأفضل من كلبِ ..
لست سوى فأر في زلزال .. لست سوى دابة تجمعت فوق ظاهرها كل الأحمال .. لست سوى كتلة عفن تجمعت فيها كل مآسي الشعر والأقوال ..
***
ولماذا هذا ؟!
قالت أمي: قال أخي. قالت أختي. قال صديقي. ولماذا هذا؟!..
قلت لهم: كوّموا أمامكم كل الذي مضى وانقضى واحسبوا نتائجكم وحددوا مقدار هزيمتكم واضربوها بألف الآلاف .. ثم اجمعوا الماضي للحاضر للمستقبل، واضربوا كل ذلك بمآسي المأساة .. وبتعداد نقاط الماء في المحيطات .. واذكروا أن النهاية لم تأت بعد .. وقولوا إن ذلك لا يعني أكثر من جزء، من مأساة وجودك كله .. والحصيلة دوماً هي صفر الأصفار .. فلا شيء في قوانين الدنيا يلغي ذاته .. كما يفعل هذا الإنسان ..
***
في الطريق لزيارة أولئك الأقارب من أجل التمتع بكرمهم وبضيافتهم كنت في سيارة محدودة الأبعاد والقدرات، وكانت أمامنا شاحنة بثقل الطود تتأرجح على طريق ترابي كالحبل الممتد المعروج .. فجأة تباطأت الشاحنة وتعالت قليلا ليخرج من تحت العجلات العملاقة دراجة مهروسة ومجبولة بجسد صبي .. توقفت الشاحنة، ثم سمعنا جلبة إدخال مسننات في جسم محركها الجبار .. ثم تحركت الشاحنة للخلف .. فتراجعنا هلعاً .. ثم داست على الدراجة والجسد المدبوق .. ثم عادت وتحركت متثاقلة إلى الأمام .. ثم زمجرت ثم انطلقت ثم تنفست تلك الشاحنة الصعداء .. ثم وقفنا وتوقفنا .. ثم نظرنا وتناظرنا، ثم نطقنا وتناطقنا .. ثم فزعنا وتفازعنا .. ثم تدافعنا و انطلقنا .. وانطلقنا .. ثم صمتنا وتصامتنا .. ثم بكينا وتباكينا .. ثم تجلدنا .. ثم سكتنا .. ثم سكتنا .. ثم سكتنا .. ثم وصلنا وتصافحنا .. وتجاهلنا .. وتبالعنا الرزق .. وتواصينا أن مارأينا باق للأبد لدينا ..
***
في معدتي أحماض، وفي رأسي أورام .. وأنا مريض وأعاد، كما لو أني ذو كبد بلهارسية، أو صدر مصدوء، أو قلب انقلب فيه الدسّام ، وما عدت أعرف كيف يكون الفرق بين كابوس الحقيقة وبين كوابيس الأحلام ..
أنا ما عدت أدري إنْ مازال قلبي في جوفي أم سافر إلى بلاد الواق الواق ..
وما عدت أعرف كيف يكون الفرق
.. بين السم وبين الترياق ..
*******
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|